فصل [ 9 ] [ الغرض الأصلي من إرسال الرسل ووضع الشرائع ]
وليعلم أنّ الغرض الأصلي من إرسال الرسل ووضع الشرائع إنّما هو استخدام الغيب للشهادة ، وسياقة الخلق إلى اللّه ، وخدمة الشهوات للعقول ، وإرجاع الدنيا إلى الآخرة ، والحثّ على هذه الأمور والزجر على عكسها ، لكي ينجو الخلائق من عذاب الآخرة والوبال ، ووخامة العاقبة وسوء المآل ، ويفوزوا بالسعادة القصوى على قدر استعداداتهم ؛ وإلّا فيكفي الإنسان - في أن يعيش - نوع من السياسة يحفظ اجتماعهم الضروري ، وإن كان ذلك منوطا بتغلّب أو ما يجري مجراه - كما ترى من تعيّش سكّان أطراف العمارة بالسياسات الضروريّة -
فالسياسة الدنيويّة بالنسبة إلى النبي إنّما هو بالعرض - لا بالذات - مع أنّه لا شيء منها إلّا وفيه حكمة اخرويّة ، إذا باشرها النبىّ أو نائبه ؛ فإنّك إذا تدبّرت في الأحكام الشرعيّة لم تجد شيئا منها خاليا عن تقوية الجنبة العالية - وإن كان ممّا يتعلّق بأمور الدنيا - .
قال بعض الحكماء : « إذا قام العدل خدمت الشهوات للعقول ، وإذا قام الجور خدمت العقول للشهوات » ؛ فطلب الآخرة أصل كلّ سعادة ، وحبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة . وليلاحظ العاقل اللبيب هذا الأصل في حكمة كلّ ما امر به أو نهي عنه في الشريعة .
قيل « 1 » : نسبة النبوّة إلى الشريعة كنسبة الروح إلى الجسد الذي فيه الروح ؛ والسياسة المجرّدة عن الشرع كجسد لا روح فيه .
هامش
( 1 ) - الشواهد الربوبية : المشهد الخامس ، الشاهد الثاني ، الإشراق الرابع : 364 .