البدنيّة منك - كما في النوم والإغماء والسكر - فلك في ذاتك هذه المشاعر والقوى والآلات من غير عوز ، إلّا أنّها ليست ثابتة في عالم الحسّ والشهادة ؛ وهذه المشاعر الظاهرة بمنزلة ظلال لتلك ، وكذلك هذا البدن الظاهر بمنزلة قشر وغلاف وقالب لذلك البدن ، وإنّما حياة هذه كلّها بذاك ، وهو الحيوان بالذات . وإليه الإشارة بقوله عزّ وجلّ :
ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ
[ 23 / 14 ] . وقال في حقّ آدم :
وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي
[ 15 / 29 ] . وفي حقّ عيسى :
وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ
[ 4 / 171 ] . وهذه الإضافة تؤذن على شرف الروح ، وكونها عريّة عن عالم الأجرام .
وقال تعالى :
يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ
[ 89 / 27 - 28 ] والرجوع يدلّ على السابقة . وقال عزّ وجلّ :
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ
[ 3 / 169 - 170 ] وذلك لبقاء تلك الحقيقة بعد الموت ، إذ لا سبيل للموت إليها بوجه .
* * * روى الشيخ الطبرسي - رحمه اللّه - في كتاب الاحتجاج « 1 » ، عن مولانا الصادق عليه السلام إنّه قال : « الروح لا توصف بثقل ولا خفّة . وهي جسم رقيق قد البس قالبا كثيفا . . . فهي بمنزلة الريح في الزقّ فإذا نفخت فيه امتلأ الزقّ منها ، فلا يزيد في وزن الزقّ ولوجها فيه ، ولا ينقصه خروجها منه . وكذلك الروح : ليس لها وزن ولا ثقل . . . »
هامش
( 1 ) - المنقول هنا ملتقات من أجوبته عليه السلام عن سؤالات الزنديق الذي سأله عن مسائل كثيرة ، الاحتجاج : 2 / 245 .