اختياريّ لنا ؛ فإنّ اللّه أعطانا القوّة والقدرة والاستطاعة ، ليبلونا أيّنا أحسن عملا ، مع إحاطة علمه .
فوجوبه لا ينافي إمكانه ، واضطراريّته لا تدافع كونه اختياريّا .
كيف ، وإنّه ما وجب إلّا بالاختيار ، ولا شكّ أنّ القدرة والاختيار كسائر الأسباب - من الإدراك والعلم ، والإرادة ، والتفكّر ، والتخيّل ، وقواها وآلاتها - كلّها بفعل اللّه - تعالى - لا بفعلنا واختيارنا - وإلّا لتسلسلت القدر والإرادات إلى غير النهاية .
وذلك لأنّا وإن كنّا بحيث إن شئنا فعلنا ، وإن لم نشأ لم نفعل ؛ لكنّا لسنا بحيث إن شئنا شئنا ، وإن لم نشأ لم نشأ ؛ بل إذا شئنا فلم يتعلّق مشيّتنا بمشيّتنا ، بل بغير مشيّتنا ، فليست المشيّة إلينا ، إذ لو كانت إلينا لاحتجنا إلى مشيّة أخرى سابقة ، وتسلسل الأمر إلى غير النهاية .
ومع قطع النظر عن استحالة التسلسل ، نقول : جملة مشيّاتنا الغير المتناهية - بحيث لا يشذّ عنها مشيّة - لا تخلو : إمّا أن يكون وقوعها بسبب أمر خارج عن مشيّتنا ، أو بسبب مشيّتنا .
والثاني باطل ، لعدم إمكان مشيّة أخرى خارجة عن تلك الجملة .
والأوّل هو المطلوب .
فقد ظهر أنّ مشيّتنا ليست تحت قدرتنا ، كما قال اللّه عزّ وجلّ :
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
[ 76 / 30 ] .
فإذن نحن في مشيّتنا مضطرّون ، وإنّما تحدث المشيّة عقيب