مستغرق الهمّ بشهواته ، وقد أنس بمدركاته ومحسوساته وألفها ، فسقط وقعها عن قلبه بطول الانس ، ولذلك إذا رأى على طريق الفجأة حيوانا غريبا ، أو فعلا من أفعال اللّه خارقا للعادة عجيبا :
انطلق لسانه بالمعرفة طبعا ، فقال : « سبحان اللّه » ؛ وهو يرى طول النهار نفسه وأعضاءه وسائر الحيوانات المألوفة - وكلّها شواهد قاطعة - ولا يحسّ بشهادتها لطول الانس بها .
ولو فرض أكمه بلغ عاقلا ، ثمّ انقشعت غشاوة عن عينه ، فامتدّ بصره إلى السماء والأرض ، والأشجار والنبات والحيوان - دفعة واحدة ، على سبيل الفجأة - يخاف على عقله أن ينبهر ، لعظم تعجّبه من شهادة هذه العجائب على خالقها .
فهذا وأمثاله من الأسباب ، مع الانهماك في الشهوات هي التي سدّت على الخلق سبيل الاستضاءة بأنوار المعرفة والسباحة في بحارها الواسعة ، والجليّات إذا صارت مطلوبة صارت معتاصة .
فهذا سرّ « 1 » الأمر ، فليتحقّق ، ولذلك قيل :
لقد ظهرت فلا تخفى على أحد * إلّا على أكمه لا يعرف القمرا
لكن بطنت بما أظهرت محتجبا * وكيف يعرف من بالعرف استترا
انتهى كلامه « 2 » .
هامش
( 1 ) - يحتمل القراءة في النسخة : سد الأمر .
( 2 ) - إحياء علوم الدين : 4 / 467 .