سنة سبع و مائتين گفته :
و فيها توفى الامام البارع النحوى ، يحيى بن زياد الفراء الكوفى ، أجل أصحاب الكسائى ، كان رأسا في النحو ، و اللغة ، أبرع الكوفيين و اعلمهم بفنون الادب على ما ذكر بعض المورخين .
و حكى عن أبي العباس ثعلب انه قال : لو لا الفراء لما كانت العربية ، لانه خلصها و ضبطها ، و لولاه لسقطت العربية ، لانها كانت تتنازع و يدعيها كل واحد .
أخذ الفراء النحو عن أبي الحسن الكسائي ، و هو و الاحمر من أشهر أصحابه و أخصهم به .
و حكى عن ثمامة بن الاشرس النميري المعتزلي و كان خصيصا بالمأمون :
أنه صادف الفراء على باب المأمون يروم الدخول عليه ، قال : فرأيت ابهة اديب ، فجلست إليه ففاتشته عن اللغة ، فوجدته بحرا ، و فاتشته عن النحو فشاهدته نسيج وحده ، و عن الفقه فوجدته رجلا فقيها عارفا باختلاف القوم ، و بالنجوم ماهرا ، و بالطب خبيرا ، و بايام العرب و أشعارها حاذقا ، فقلت : من تكون و ما أظنك الا الفراء ؟ ، قال :
انا ، فدخلت فاعلمت أمير المؤمنين المأمون ، فأمر باحضاره لوقته و كان ذلك سبب اتصاله به .
و قال قطرب : دخل الفراء على الرشيد ، فتكلم بكلام لحن فيه مرات ، فقال جعفر بن يحيى البرمكي : انه قد لحن يا أمير المؤمنين ، فقال الرشيد : أ تلحن ، فقال الفراء : يا أمير المؤمنين ان طباع أهل البدو الاعراب ، و طباع أهل الحضر اللحن ، فاذا تحفظت لم ألحن ، و إذا رجعت الى الطبع الحنت ، فاستحسن الرشيد قوله .
قلت : و أيضا فان عادة المنتهين في النحو لا يتشدقون [ 1 ] بالمحافظة على اعراب
هامش
[ 1 ] تشدق : لوى شدقه للتفصح ، و الشدق ( بكسر الشين أو فتحها ) هى زاوية الفم من باطن الخدين .