تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥

فصل

وأما تقليب الأفئدة فقال تعالى :
وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 110 )
[ الأنعام ] وهذا عطف على أنها إذا جاءت لا يؤمنون ، أي : نحول بينهم وبين الإيمان ، ولو جاءتهم تلك الآية فلا يؤمنون ، واختلف في قوله : كما لم يؤمنوا به أول مرة ، فقال كثير من المفسرين : المعنى نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم الآية ، كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة . قال ابن عباس في رواية عطاء عنه : ونقلّب أفئدتهم وأبصارهم حتى يرجعوا إلى ما سبق عليهم من علمي . قال : وهذا كقوله : واعلموا أن اللّه يحول بين المرء وقلبه . وقال آخرون : المعنى : ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ، لتركهم الإيمان به أول مرة ، فعاقبناهم بتقليب أفئدتهم وأبصارهم ، وهذا معنى حسن ، فإنّ كاف التشبيه تتضمن نوعا من التعليل كقوله :
وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ( 77 )
[ القصص ] وقوله :
كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ( 151 ) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ( 152 )
[ البقرة ] . والذي حسّن اجتماع التعليل والتشبيه الإعلام بأن الجزاء من جنس العمل ، في الخير والشر ، والتقليب تحويل الشيء من وجه إلى وجه ، وكان الواجب من مقتضى إنزال الآية ، ووصولهم إليها كما سألوا ، أن يؤمنوا إذا جاءتهم لأنهم رأوها عيانا ، وعرفوا أدلتها ، وتحققوا صدقها ، فإذا لم يؤمنوا ، كان ذلك تقليبا لقلوبهم وأبصارهم عن وجهها الذي ينبغي أن تكون عليه .