تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١

فصل

ومن ذلك قوله تعالى عن خليله إبراهيم أنه قال :
رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ ( 35 )
[ إبراهيم ] فها هنا أمران : تجنيب عبادتها واجتنابه ، فسأل الخليل ربه أن يجنّبه وبنيه عبادتها ، ليحصل منهم اجتنابها ، فالاجتناب فعلهم ، والتجنيب فعله ، ولا سبيل إلى فعلهم إلا بعد فعله . ونظير ذلك قول يوسف الصديق :
قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 33 ) فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 34 )
[ يوسف ] وصرف كيدهن هو صرف دواعي قلوبهن ومكرهن بألسنتهن وأعمالهن ، وتلك أفعال اختيارية ، وهو سبحانه الصارف لها ، فالصّرف فعله ، والانصراف أثر فعله ، وهو فعل النسوة . ومن ذلك قوله سبحانه لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم :
وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا ( 74 )
[ الإسراء ] فالتثبيت فعله ، والثبات فعل رسوله ، فهو سبحانه المثبت وعبده الثابت . ومثله قوله :
يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ ( 27 )
[ إبراهيم ] فأخبر سبحانه أن تثبيت المؤمنين وإضلال الظالمين فعله ، فإنه يفعل ما يشاء ؛ وأما الثبات والضلال فمحض أفعالهم . ومن ذلك قوله تعالى :
فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل — صفحة 161 | ابن قيم الجوزية