وسمع موسى عليه السلام كلام اللّه تعالى كما قال اللّه تعالى :
وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً
. وقد كان اللّه تعالى متكلّما ولم يكن كلّم موسى عليه السلام وقد كان اللّه تعالى خالقا في الأزل ولم يخلق الخلق . . . .
شرح
قال اللّه تعالى :فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ« 1 » . أي كلام اللّه فإذا ذكر مع قرينة تدل على الحدوث كتحريم مسّ القرآن للمحدث ، فهو محمول على المصحف والقراءة ، فإذا ذكر مطلقا يحمل على الصفة الأزلية ، فلا يجوز أن يقال : القرآن مخلوق على الإطلاق ، ( وسمع موسى كلام اللّه تعالى كما قال اللّه تعالى : وكلم اللّه موسى تكليما ) أتي بالمصدر المؤكد لدفع حمل الكلام على المجاز ، أي كلّمه اللّه تكليما محقّقا وأوقع له سماعا مصدقا ، والمعنى أن موسى عليه الصلاة والسلام سمع كلام ربّ الأرباب بلا واسطة إلا أنه من وراء الحجاب ، ولذا قال :رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ« 2 » . في هذا الباب قال شارح : وكان يسمع الكلام من باطن الغمام الذي هو كالعمود ، وقد يغشاه الغمام وربما كان يسمع كلامه تعالى من باطن النار ، أو بإرسال جبريل أو غيره من الملائكة . انتهى .
وفي الأخيرين نظر إذ لا يحصل بهما خصوصية له ولا مزية غلى غيره وأما ما قبله فلعله وقع له الكلام في الأوقات المتعددة والأحوال المختلفة ، وإلا فالكلام الذي وقع له أولا إنما كان كما أخبر سبحانه بأنه نودي من الشجرة المباركة التي ظنها أنها نار ، وإنما كانت معدن أنوار ومنبع أسرار ونتيجة أثمار وأسمار في أشجار ( وقد كان اللّه تعالى متكلما ) أي في الأزل . ( ولم يكن كلّم موسى ) أي والحال أنه لم يكن كلّم موسى ، بل ولا خلق أصل موسى وعيسى ( وقد كان اللّه تعالى خالقا في الأزل ولم يخلق الخلق ) جملة حالية والمعنى : أن الحق كان خالقا قبل خلق الخلق ، وفي نسخة : وكان اللّه خالقنا قبل أن يخلق الخلق حقيقة بمعنى أن هذا النعت فيه محقّق لا مجاز كما قال ابن أبي شريف « 3 » : أنه كان خالقا بالقوة فإنه يوهم أنه تحت الإمكان واحتمال الوقوع واللّاوقوع في الأزمان ، وليس الأمر كذلك ، فإنه كان خالقا متحقّق الوقوع في وقت أراد فيه الشروع
هامش
( 1 ) النحل : 98 .
( 2 ) الأعراف : 143 .
( 3 ) هو محمد بن محمد بن أبي بكر بن علي بن أبي شريف مسعود بن رضوان المري كمال الدين المقدسي الشافعي المتوفى سنة 905 من تصانيفه الأخصى بفضائل المسجد الأقصى ، وشرح الإرشاد للنووي في الأصول وغيرها .