شرح
[ مسألة في أن الشياطين لهم تصرف في بني آدم ]
ومنها : أن الشياطين لهم تصرّف في بني آدم خلافا للمعتزلة حيث يقولون : لا يمكنهم أن يوسوسوا ، وإنما نفس الإنسان توسوسه وهو مردود بقوله تعالى :الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ« 1 » وقوله تعالى :إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ« 2 » . ولمّا صحّ عنه صلى اللّه عليه وسلم أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم « 3 » ، ثم الحكمة في أنهم يرونا ، ونحن لا نراهم أنهم خلقوا على صورة قبيحة ، فلو رأيناهم لم نقدر على تناول الطعام والشراب فستروا عنّا رحمة علينا في هذا الباب والملائكة خلقوا من النور فلو رأيناهم لطارت أرواحنا لديهم وأعيننا إليهم ، وأما قول القونوي من أن الجن خلقوا من الريح وأصل الريح أن لا يرى ، فكذا ما خلق منه فغير صحيح لقوله تعالى :وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ« 4 » .[ مسألة في أن كل ما ورد في أوصاف الجنة ونعيمها فهو حق ]
ومنها : أن ما أخبر اللّه تعالى من الجور والقصور والأنهار والأشجار والأثمار لأهل الجنة ، ومن الزقوم والحميم والسلاسل والأغلال لأهل النار حق خلافا للباطنية والعدول عن ظواهر النصوص إلى معان يدّعيها أهل الباطن إلحاد . . .[ مسألة المجتهد في العقليات يخطئ ويصيب ]
ومنها : أن المجتهد في العقليات والشرعيات الأصلية والفرعية قد يخطئ ، وقد يصيب وذهب بعض الأشاعرة والمعتزلة إلى أن كل مجتهد في المسائل الشرعية الفرعية التي لا قاطع فيها مصيب ، والتحقيق أن في المسألة الاجتهادية احتمالات أربعة : الأول أن ليس للّه فيها حكم معين قبل الاجتهاد ، بل الحكم فيها ما أدّى إليه رأي المجتهد ، فعلى هذا قد تتعدّد الأحكام الحقّة في حادثة واحدة ، ويكون كل مجتهد مصيبا ، والثاني : أن الحكم معين ولا دليل عليه منه سبحانه ، بل العثور عليه كالعثور على دفينة ، والثالث أن الحكم معين وله دليل قطعي ، والرابع : أن الحكم معين ، وله دليل ظنّي ، وقد ذهب إلى كل احتمال جماعة ، والمختار أن الحكم معين وعليه دليل ظنّي إن وجده المجتهد أصاب ، وإن فقده أخطأ والمجتهد غير مكلّف بإصابته كما ذهب بعضهم ممّن ذهب إلىهامش
( 1 ) البقرة : 268 .
( 2 ) فاطر : 6 .
( 3 ) أخرجه البخاري 2035 ، ومسلم 2175 ح 24 و 25 ، وأبو داود 2471 ، وابن ماجة 1779 ، والدارمي 2 / 77 ، والبيهقي 4 / 321 و 324 ، وأحمد 6 / 337 ، والطحاوي في المشكل 107 ، والبغوي 4208 ، وابن خزيمة 3234 ، وابن حبان 3671 من حديث صفية بنت حييّ رضي اللّه عنها .
( 4 ) الحجر : 27 .