يصطلح في الإحاطة ويقال لا يخلو الأمر من ثلاث إحاطات : إحاطة سفلية هي حدّ لأدنى ما يتنزّل إليه إدراك الحواسّ ويقف عنده ، وإحاطة علويّة هي حدّ لأقصى ما يدركه العقل ، وإحاطة فوق العليا هي حدّ لمنتهى النهايتين علو العقل وتنزل الحسّ : وانّ « الألف » التي هي أوّل الأحرف اللّفظيّة انّما تدلّ على الإحاطة فوق العليا مع قطع النظر عن نسبة المحيط بهذه الإحاطة إلى ما دونه ؛ وانّ « الباء » حدّ الإحاطة العليا من حيث عدم الإضافة والنسبة أيضا ، وهكذا إلى أن ينتهي الأمر إلى الفاعل الّذي لا فاعل دونه وهو الطّبيعة ، ثمّ يبتدئ الحروف الباقية من الدّلالة على الأوّل من حيث الإضافة إلى معلوله حتّى تنتهي إلى « الحاء » الّتي للطّبيعة من حيث أفاعيلها ، ثمّ بعد تمام سلسلة الفواعل تبقى « الياء » للدّلالة على القابل الّذي هو الهيولى .
ثمّ نشرع في الآثار والنتائج من نسبة الفواعل إلى القوابل :
« فالكاف » عبارة عن كمال الظهور للإحاطة التي فوق العليا حتّى انّ ما دونه مستهلك بالنّظر إليه فيكفي هو عن كل شيء ولهذا ورد انّ « الكاف هو الكافي الذي لم يكن له كفوا أحد » « 1 » وقال تعالى :
أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ »
« 2 » .
و « اللّام » عبارة عن اتّصال البدو بالتّمام الذي هو « الميم » ، إذ الميم تمام ما ينتهي إليه الظّهور في الأعيان . فاللّام عبارة عن نسبة الذّات إلى الأسماء والصّفات بالجلاء والاستجلاء والظّهور والإظهار ؛ و « الميم » عبارة عن نسبة الأسماء إلى أفعاله ومصنوعاته الّتي هي ملكه ومظهر ربوبيّته ، فالميم لمرتبة الرّبوبيّة ولذا ورد : انّ الميم دليل على انّه
« الْمَلِكُ الْحَقُّ »
وانّه
« مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ »
« 3 » وكلّ ذلك من آثار الرّبوبيّة .
هامش
( 1 ) . التوحيد ، باب 32 ( تفسير حروف المعجم ) ص 235 ؛ بحار ، ج 2 ، ص 319 .
( 2 ) . فصّلت : 53 .
( 3 ) . التوحيد ، ص 235 ؛ بحار ج 2 ص 319 .