وأين يكفى ذلك ؟ والنّفس تستكمل بالعلم وتصير قويّة ذات بسطة حتى كأنّها في نفسها عالم بسمائه وأرضه وأفلاكه وكواكبه وجنّاته « 1 » وسائر الأمور الّتي في الأرض والسماء . ولا ريب انّ ذلك لا يتحقّق بالأمر الخارج عن ذاتها المباين لها .
فظهر انّ حصول العلم ليس بهذه الطّرق بل هو بخروج النّفس من ذاتها ووصولها إلى ظواهر الأشياء في الإدراك الإحساسي ، وإلى بواطنها في الإدراك العقلي . وسرّ ذلك ما قد عرفت من انّ الأشياء العقليّة انّما هي في النّفس بمعنى اشتمالها على حقائقها اشتمالًا جمليا علّيّا ، وانّ الأمور المحسوسة انّما هي آثار تلك الحقائق المندرجة في النفس ، فبالحقيقة ليست النفس مدركة لأمر خارج عنها مباين لها ، بل لا يمكن ذلك في تحقّق الإدراك ، فهي انّما تدرك المعقول برجوعها إلى باطنها الذي هو نفس ذاتها وتدرك المحسوس بتوجّهها إلى ظاهر نفسها الّذي هو آثارها ، وقد علمت انّ الظاهر انّما هو شبح ما في الباطن ، فهي لا تدرك غير ذاتها .
وظهر من ذلك وجه صحّة القول باتّحاد العاقل والمعقول بل باتّحاد الحاسّ والمحسوس ، فلا تغفل .
[ إشارة إلى انّه تعالى لا من شيء ولا في شيء ولا على شيء وكلام في أنحاء الإيجاد ]
بل « 2 » هو اللّه الصّمد الذي لا من شيء ، ولا على شيء ، مبدع الأشياء ، وخالقها ، ومنشئ الأشياء بقدرته ، يتلاشى ما خلق للفناء بمشيّته ، ويبقى ما خلق للبقاء بعلمه ، فذلكم اللّه الذي
« لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ »
عالم الغيب والشّهادة ، الكبير المتعال ،
« وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ »
.
لمّا ظهر ممّا سبق انّه ليس له سبحانه علة فاعليّة بمعنى ما منه نفس حقيقة
هامش
( 1 ) . جناته : حسابه م ن د ب ر .
( 2 ) . بل : لا بل ( التوحيد ، ص 91 ) .