تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح توحيد الصدوق — صفحة 544

مساهمون:

ص٥٤٤
بيان ذلك : انّ هذه الأسرار حقائق روحانية ، وأنوار إلهية ، ومن شأن الأرواح إعطاء الحياة ، ومن لوازم الأنوار إضاءة الظلمات ، فكما انّ تلك الحقائق والأنوار منذ ظهورها من معدنها في العالم العلوي صارت أسبابا وعللا لكلّ موجود سماويّ وأراضي ، كذلك حين بروزها في طريق العود ، سيّما من أشرف أرومة وأكرم عود يصير مادة للصور والكمالات وقوام ما في الأرضين والسماوات . ولا تعجبنّ من ذلك ، فقد ورد : انّ الباقيات الصالحات تغرس « 1 » الأشجار في قيعان الجنّات . فما ظنّك بكلمات سرّيّة نوريّة قالها خير البريّات . وبالجملة ، لمّا كانوا - عليهم السّلام - على صورة اسم « الرحمن » وخلفاء الرحمن ، فهم في كل حركة وسكون في إفاضة الخيرات على الكائنات ، فلا يخلو من بركاتهم ضوء ولا فيء ، ولا يضيع من أحوالهم شيء ، فبأنفاسهم تتحرّك الأفلاك وبكلماتهم تحيى أراضي القلوب الموات ، وبهدايتهم ومواعظهم يهتدي ضلّال مهامة الكفر والجهالات ، وبإظهار أسرارهم تنبت العشب في الصحاري والفلوات وتثمر الأشجار في الرّوضات ، وذلك لأنّ طفح الإناء يوجب رشح ما فيه ؛ ولمّا لم يجدوا - عليهم السّلام - لأسرارهم أوعية ، كما ورد عنهم الشكاية في عدم وجدانهم حملة فبالضرورة حفروا حفيرة أو أدلوا رؤوسهم إلى بئر خالية ، فنشروا أسرارهم إلى الأرض المؤتمنة الصالحة لظهور الأنوار وبثّوها إلى تلك التربة الخازنة للأسرار ، و « للأرض من كأس الكرام نصيب » لكن لمّا استفاضت الكلمة الأرضية التي هي نور عقلي وربّ لنوع عنصري هذه الأسرار الطافحة عن بحر الولاية ، واستضاءت بتلك الأنوار الشارقة عن سماء الهداية ، وضاق بما استودع ذرعها ، وامتلأ بحمله وخرّ صعقا ، ولم تكن خائنة ، بل هي أمينة غاية الأمانة ، احتالت ، فصوّرتها صورا لا يعرفها الأغيار ، ولا يحوم حولها الأشرار والفجّار ، فصيّرتها « 2 » نباتا وأثمارا ، وحدائق وأنهارا ، وكواعب
هامش
( 1 ) . تغرس : بغرس د . ( 2 ) . فصيّرتها : وصيّرتها د .