إليهم بملك آخر أو رأى في المنام ، أو بصوت ، أو بشيء آخر من الإلهام ، وللرسل درجة النبوة خاصة ونقر باللسان ونصدق بالجنان بأن لهم نبوات ومعجزات ولا نبوة ولا معجزة لأحد بعدهم ، ومن ادعى النبوة يجب عليه التوبة فإن لم يتب يجب عليه القتل لاختتام النبوة وانسداد بابها ؛ لأن النبوة والمعجزة بغير الأنبياء محال ، والمدعى بها كذاب ، وكذلك الكاهن والعراف [ 159 ] والنجام والمتكلم بالغيب كلهم كذابون لقوله صلّى اللّه عليه وسلم :
« النجامون كذابون » ؛ لأنهم يتكلمون بالغيب ؛ لأن الله عز وجل كتم علم الغيب لا يعلم الغيب إلا هو كما قال الله تعالى
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ الحجرات : 18 ] .
وقال تعالى :
وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ
[ الأنعام : 59 ] .
ونهى الله تعالى عن الكلام بالغيب فقال :
إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ
[ لقمان : 34 ] . فقد نهى عن الكلام في هذه الحقيقة ؛ لأنها من الغيب فالمتكلمون بالغيب إذا رأوا حقا كفروا وكذا المستمع إذا رأى حقا كان كافرا « 1 » لقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « من آمن بالنجوم فقد كفر ومن دبر بالنجوم فقد أدبر » .
وقد جوز التدبير بالنجوم غير أن يصدقه .
ونقر بأن الله تعالى اتخذ إبراهيم خليلا وكلم الله موسى تكليما إيمانا وتصديقا وتسليما وكلمه بلا آلة حقيقة لا مجازا ثم الكلام في إثبات رسالاتهم في أربعة مواضع :
أولها يجوز في العقل إرسال الرسل لأنه لما ثبت بالدلائل الواضحة أن الباري جل وعلا منشئ العالم ومبدعهم [ 160 ] ومالكهم وكل جزء من أجزاء العالم ملكه لا شريك له فيه ، فيقول من له الخلق والأمر والملك فللمالك أن يتصرف في ملكه ومماليكه كيف شاء فجاءوا بأمرهم وينهاهم مبينين لهم وجوه المصالح والمفاسد ، ويرشدهم إلى ذلك عاجلا وآجلا لينتفعوا بذلك ويبلغوا درجة الكمال في العلم والحكمة وينالوا خير الدنيا والآخرة ، ثم ذلك قد يكون يخلق فيهم للعلم الضروري بذلك ، وقد يكون بأن يتبين لهم على لسان شخص وبينه إما بغير واسطة أو بواسطة ملك ثم من ذلك منّ الله تعالى ، فلا
هامش
( 1 ) أراد المصنف أن يقول : المتكلمون بالغيب إذا رأوا ما يعتقدونه ويتكلمون به حقا كفروا ، وكذا المستمع إليهم إذا رأى ما قاله المتكلمون حقا كفر .