المنظومة والأصوات المقطوعة ، ومع هذا قال :
حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ
. عرف أنه أراد به هذه الحروف المنظومة « 1 » ؛ لأن المسموع هذه الحروف وإنّما أطلق اسم الكلام بطريق المجاز والمجاز متعارف .
فإن قال : الكلام على حقيقته حتى يقوم الدّليل على المجاز .
قلنا : بلى قد قام لنا الدليل ، هو ما بينا « 2 » .
وأما الجواب عما قالوا : إن في كتاب الله تعالى أخبارا وأمرا ونهيا نحو قوله تعالى :
وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى
[ طه : 121 ] ، وقوله :
وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ
[ يوسف :
هامش
- بقية ستأتي إن شاء الله ، وراجع هذه المسألة في كتب المحققين كابن تيمية ، وابن قدامة وغيرهما . انظر : « أصول العقيدة الإسلامية » ص ( 61 : 62 ) .
( 1 ) هذه الردود التي يذكرها المؤلف تأويلات باطلة غير مستساغة لوجوه :
الأول : أن هذا التأويل يصرف الكلام عن ظاهره إلى معنى غير ظاهر منه لا يحتمله ولا يوجد دليل عليه .
والثاني : مخالفته للعلوم الشرعية واللغوية .
والثالث : مخالفته لعمل الصحابة وإجماع الأمة .
الرابع : أن الألفاظ المبينة للعقيدة في الكتاب والسنة ألفاظ لا تحتمل التأويل كالمحكم والحقيقي والمفسر ، ويجب العمل بها قطعا أو هي من قبيل المتشابه ، والمتشابه أيضا لا يؤوّل وحكمها الوقف وتفويض علمها إلى الله سبحانه وتعالى .
( 2 ) قلت : لم يأت المؤلف بدليل كما زعم على أن قوله تعالى :حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ، أراد به هذه الحروف المنظومة ؛ لأن المسموع هذه الحروف ، وإنما أطلق اسم الكلام بطريق المجاز كما يعتقد .
قلت : والدليل الّذي يصرف الكلام عن معناه الحقيقي إلى المجاز هو القرينة ؛ لأن المجاز لفظ مستعمل في غير ما وضع له لعلاقة مع قرينة ، والقرينة إما أن تكون شرعية أو عرفية أو لغوية ، وقد دلت الدلائل الشرعية المستفيضة من الكتاب والسنة على أن القرآن كلام الله حقيقة لا مجازا ، ولم يأت المؤلف بقرينة تصرف الكلام عن معناه الحقيقي .
كما أن كل لفظ حقيقي وضعه الشارع ، لا أهل الشرع ، كالأسماء التي أجريت على الأفعال ، كالصلاة ، والصوم ونحو ذلك ، والأسماء التي جرت على الفاعلين كالمؤمن والكافر والفاسق وغير ذلك ، وأيضا الأسماء والصفات التوقيفية كلها حقائق شرعية لا يجوز صرفها إلى الحقائق اللغوية أو العرفية ، فضلا عن صرفها إلى المجاز كما زعم المؤلف ؛ لأن هذه الحقائق موضوعة بوضع الشارع لا بوضع أحد ، سواء أهل الشرع أو اللغة أو العرف ، فإذا قال الله : « يد الله » ، قلنا : إن له يدا ليس كمثلها شيء ؛ لأنها حقيقة شرعية صرفت الحقائق لغوية كانت أو عرفية لأنها موضوعة بوضع الشارع ، فلا يجب صرفها إلى غيرها ، والله أعلم .