فَتَخسَروا خُسراناً مُبيناً .
عِبادَ اللَّهِ ! إنَّ مِنَ الحَزمِ « 1 » أن تَتَّقُوا اللَّهَ ، وإنَّ مِنَ العِصمَةِ ألّا تَغتَرّوا بِاللَّهِ .
عِبادَ اللَّهِ ! إنَّ أنصَحَ النّاسِ لِنَفسِه أطوَعُهُم لِرَبِّه ، وأغَشَّهُم لِنَفسِه أعصاهُم لَهُ .
عِبادَ اللَّهِ ! إنَّ مَن يُطِعِ اللَّهَ يَأمَن ويَستَبشِر ، ومَن يَعصِه يَخِب « 2 » ويَندَم ولا يَسلَم .
عِبادَ اللَّهِ ! سَلُوا اللَّهَ اليَقينَ ، فَإِنَّ اليَقينَ رَأسُ الدّينِ ، وَارغَبوا إلَيه في العافِيَةِ « 3 » ؛ فَإِنَّ أعظَمَ النِّعمَةِ العافِيَةُ ، فَاغتَنِموها لِلدُّنيا وَالآخِرَةِ ، وَارغَبوا إلَيه فِي التَّوفيقِ ، فَإِنَّهُ اسٌّ « 4 » وَثيقٌ ، وَاعلَموا أنَّ خَيرَ ما لَزِمَ القَلبَ اليَقينُ ، وأحسَنُ اليَقينِ التُّقى ، وأفضَلُ امورِ الحَقِّ عَزائِمُها « 5 » وشَرُّها مُحدَثاتُها ، وكُلُّ مُحدَثَةٍ بِدعَةٌ ، وكُلُّ بِدعَةٍ ضَلالَةٌ ، وبِالبِدَعِ هَدمُ السُّنَنِ . المَغبونُ مَن غُبِنَ دينَهُ ، وَالمَغبوطُ مَن سَلِمَ لَهُ دينُهُ وحَسُنَ يَقينُهُ ، وَالسَّعيدُ مَن وُعِظَ بِغَيرِهِ ، وَالشَّقِيُّ مَنِ انخَدَعَ لِهَواهُ .
عِبادَ اللَّهِ ! اعلَموا أنَّ يَسيرَ الرِّياءِ شِركٌ ، وأنَّ إخلاصَ العَمَلِ اليَقينُ « 6 » ، وَالهَوى يَقودُ إلَى النّارِ ، ومُجالَسَةَ أهلِ اللَّهوِ يُنسِي القُرآنَ ويُحضِرُ الشَّيطانَ ، وَالنَّسيءَ « 7 » زِيادَةٌ فِي الكفُرِ ، وأعمالَ العُصاةِ تَدعو إلى سَخَطِ الرَّحمنِ ، وَسَخَطَ الرَّحمنِ يَدعو إلَى النّارِ ، ومُحادَثَةَ النِّساءِ تَدعو إلَى البَلاءِ ويُزيغُ القُلوبَ ، وَالرَّمقَ « 8 » لَهُنَّ يَخطَفُ نورَ أبصارِ القُلوبِ ، ولَمحَ العُيونِ مَصائِدُ الشَّيطانِ ، ومُجالَسَةَ السُّلطانِ يُهَيِّجُ النّيرانَ .
هامش
( 1 ) . الحزم : ضبط الرجل أمره والحذر من فواته ، وفيه « الحزم سوء الظن » . « وإنّ من العصمة » : أي ما يعصمه من المهالك يوم القيامة أن لاتغترّوا بِاللَّه ؛ أي أن لاتظنّوا به أن لايعذّبكم بذنوبكم ولا تخدعوا أنفسكم بذلك فتجرؤوا على معصية اللَّه تعالى .
( 2 ) . يخب : أي يخسر ويُحرم ؛ من الخيبة .
( 3 ) . العافية : أن تسلم من الأسقام والبلايا ؛ وهي الصحّة ، وضدّ المرض .
( 4 ) . اسٌّ : أي أصلٌ .
( 5 ) . فيه : « خير الامور عزائمها » أي فرائضها الّتي عزم اللَّه عليك بفعالهما ، والمعنى ذوات عزمها الّتي فيها العزم . إيّاكمومحدثات الامور : جمع محدثة - بالفتح - وهي ما لم يكن معروفاً في كتاب ولا سنّة ولا إجماع . من أحدث حدثاً ؛ الحدث : الأمر الحادث المنكر الذي ليس بمعتاد ولا معروف في السنّة . « أحسن اليقين التُّقى » : لعلّ المراد أنّ أحسن اليقين ما يثمر ويورث التقوى ويظهر في العمل .
( 6 ) . « وإنّ إخلاص العمل اليقين » : لعلّ المعنى أنّ العمل الخالص ما كان عن يقين .
( 7 ) . عن ابن عبّاس : « كانت النُّسأة في كندة » النُّسأ - بالضم وسكون السين - : النسيء الذي ذكره اللَّه تعالى في كتابه من تأخيرالشهور بعضها إلى بعض . راجع تفسير الآية الشريفة / 37 من سورة التوبة ( الميزان : 9 / 283 ) فإنّه كانت لهم فيما بينهم سنّة جاهلية في أمر الأشهر الحرم وهي المسمّاة بالنسيء ، وهو يدلّ بلفظه على تأخير الحرمة من شهرٍ حرام إلى بعض الشهور غير المحرّمة الذي بعده . . .
( 8 ) . الرمق : طول النظر إلى الشيء ، واللمحة - بالفتح - : النظرة بالعجلة .