تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح المقاصد — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
فذكر لفظ تؤمن باللّه تعويلا على ظهور معناه عندهم . ثم قال : هذا جبرائيل أتاكم يعلمكم دينكم . ولو كان الإيمان غير التصديق ، لما كان هذا تعليما وإرشادا ، بل تلبسا وإضلالا . نعم ، لو قيل : إنه في اللغة لمطلق التصديق ، وقد نقل في الشرع إلى التصديق بأمور مخصوصة ، فلا نزاع . وإنما المقصود أنه تصديق بالأمور المخصوصة بالمعنى اللغوي ، وهو ما يعبر عنه بالفارسية بگرويدن وراست‌گوى داشتن . ويخالفه التكذيب ، وينافيه التوقف والتردد . ولهذا اختار العلماء في ألفاظ الإيمان گرويدم باور داشتم راست‌گوى داشتم بدل ، وأنه معنى واضح عند العقل لا يشتبه على العوام ، فضلا عن الخواص . والمذهب أنه غير العلم والمعرفة ، لأن من الكفار من كان يعرف الحق ولا يصدق به عنادا واستكبارا . قال اللّه تعالى :
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
« 1 » . وقال :
وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ
« 2 » . وقال :
وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا
« 3 » وقال حكاية عن موسى ( عليه السلام ) لفرعون :
لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ
« 4 » فاحتيج إلى الفرق بين العلم بما جاء به النبي ( عليه السلام ) وهو معرفته ، وبين التصديق ليصح كون الأول حاصلا للمعاندين ، دون الثاني ، وكون الثاني إيمانا دون الأول . فاقتصر بعضهم على أن ضد التصديق هو الإنكار والتكذيب ، وضد المعرفة النكارة والجهالة . وإليه أشار الإمام الغزالي « 5 » ( رحمه اللّه ) حيث فسر التصديق بالتسليم ، فإنه لا يكون مع الإنكار والاستكبار ، بخلاف العلم
هامش
( 1 ) سورة البقرة آية رقم 146 . ( 2 ) سورة البقرة آية رقم 144 . ( 3 ) سورة النمل آية رقم 14 . ( 4 ) سورة الإسراء آية رقم 102 . ( 5 ) سبق الترجمة له في كلمة وافية .