تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥
فإذا كان اللّه عز وجل قد تجلى بذاته لذاته في جميع هذه الصور والمتعينات فالهدى والإيمان في زعم هؤلاء المارقين أن تعبد وتعظم جميعا . قالوا : وإنما ضل من ضل وكفر من كفر بتخصيص بعض هذه المظاهر بالعبادة دون بعض ، فالكفر عندهم ليس هو عبادة غير اللّه ، إذ ليس هناك غير ، ولكنه ستر حقيقة المعبود بتخصيص بعض مجاليه بالعبادة دون البعض الآخر . وحكموا بإيمان فرعون وقالوا أنه كان يشاهد عين الحقيقة حين قال :
أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى
[ النازعات : 24 ] ولم يكن كاذبا في دعواه أنه هو اللّه ، بل كان في أعلى مقامات التوحيد ، ولذا كان أغراقه في البحر تطهيرا له من توهم الغيرية وحسبان الاثنينية .
قالوا ولم يك منكرا موسى لما * عبدوه من عجل لذي الخوران الا على من كان ليس بعابد * معهم وأصبح ضيق الأعطان ولذاك جر بلحية الأخ حيث لم * يك واسعا في قومه لبطان بل فرق الانكار منه بينهم * لما سرى في وهمه غيران
الشرح : كما افترى هؤلاء المارقين الكذب في شأن فرعون وخالفوا فيه صريح القرآن الذي نطق بموته على الكفر ، وأنه لم ينفعه إيمانه حين أدركه الغرق وأن اللّه إنما نجاه ببدنه ليكون عبرة مائلة للأجيال من بعده ، وأن اللّه أخذه نكال الآخرة والأولى ، كذلك كذبوا في شأن موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام ، فزعموا أن موسى عليه السلام لم يلم قومه على عبادة العجل ولم ينكرها عليهم ، وأنما كان انكاره على من تحرج عن عبادته وضاق بها صدره ، ولذلك أخذ بلحية أخيه يجره إليه حيث لم يتسع صدره لما فعله قومه ، وأخذ ينكر عليهم ويحذرهم مغبة ذلك وسوء عاقبته ، ويقول لهم : يا قوم انما فتنتم به وأن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري .
شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية — صفحة 65 | ابن قيم الجوزية / محمد خليل هراس