يزل الفعل ممكنا جائزا فيلزم جواز حوادث لا نهاية لها .
فقول المؤلف رحمه اللّه : وقضى بأن الفعل كان معطلا الخ ، إنما هو بيان لما يلزم مذهب جهم وشيعته في قولهم بحدوث العالم وأنه له بداية في الزمان .
ويقابل قول هؤلاء قول الفلاسفة بقدم العالم ، وأنه صدر من اللّه عز وجل صدور المعلول عن علته بلا قصد ولا اختيار ، ولا شك أن هذا القول أفسد من سابقه وفساده من الظهور بحيث لا يحتاج إلى إطالة الكلام معه .
بقي القول الثالث وهو ما أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها من أن اللّه عز وجل لم يزل حيا قادرا فعالا لما يريد متكلما إذا شاء بما شاء ، وأن الفعل والكلام من صفات كماله التي لا يجوز تعطيله عنها في وقت من الأوقات ، وأن الفعل والكلام لم يزل ممكنا مقدورا لا يجوز القول بامتناع ذلك منه في وقت من الأوقات كذلك .
وقضى بأن النار لم تخلق ولا * جنات عدن بل هما عدمان
فإذا هما خلقا ليوم معادنا * فهما على الأوقات فانيتان
وتلطف العلاف من أتباعه * فأتى بضحكة جاهل مجان
قال الفناء يكون في الحركات لا * في الذات وا عجبا لذا الهذيان
الشرح : يرى الجهم أن الجنة والنار غير موجودتين الآن ، وعلى ذلك سائر المعتزلة . وكان منشأ غلطهم في ذلك وغيره من أمور الاعتقاد هو تحكيمهم ما يسمونه بالعقل مع وجود النص ، فلما رأوا بعقولهم الفاسدة أن لا فائدة من وجود الجنة والنار الآن من حيث أنهما داران للجزاء على الأعمال . والجزاء لا يكون إلا في الدار الآخرة حكموا بعدمهما مع وجود النصوص الصريحة من الكتاب والسنة على وجودهما ، مثل قوله تعالى لآدم عليه السلام :
اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ
[ البقرة : 35 ] .