تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
يخلق هذا العالم ، ثم ابتدأ الخلق ، وكان هذا مما أعان الفلاسفة عليهم حيث أوردوا عليهم أنه يلزم حدوث شيء في ذاته اقتضى الفعل بعد أن لم يكن مقتضيا ، كأن كان عاجزا فقدر ، أو كان فاقدا لآلة فوجدها ، أو كان غير مريد للفعل ثم أراد الخ . فإن قلتم أن الإرادة قديمة والقدرة موجودة في الأزل وجميع الشرائط المعتبرة في الفعل مستكملة ، فما الذي منعه من أن يفعل وليس لكم أن تقولوا ان الإرادة القديمة إنما تعلقت بالايجاد في هذا الوقت دون غيره ، فان الأوقات كلها متساوية بالنسبة للإرادة في الأزل وليس وقت منها أولى من غيره ، ولأجل التأويل أيضا نفي الجهم وأشياعه من الفلاسفة والمعتزلة والأشاعرة الحكمة عن فعله تعالى ، وقالوا أن أفعاله لا تعلل بالأغراض والغايات ، فإن الفاعل لغرض مستكمل ، وتوهموا أن اثبات غاية باعثة له عز وجل على الفعل نقص يجب تنزيه اللّه تعالى عنه ، وجوزوا ترجيح القادر لأحد الأمرين المتساويين بلا مرجح ، وفاتهم أن مثل ذلك يكون عبثا يستحيل صدوره عن اللّه عز وجل ، على أن الغايات والمصالح التي من أجلها يفعل ربنا سبحانه ظاهرة متجلية في كل ما خلقه أو أمر به ، والقرآن والسنة فيهما الكثير من تلك الحكم التي لا ينكرها الا مكابر مثل قوله تعالى :
إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
[ الكهف : 7 ] ومثلها قوله :
الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
[ الملك : 2 ] ومثل قوله جل وعلا :
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
[ البقرة : 143 ]
ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
[ المائدة : 6 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ
[ المائدة : 94 ]
وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ
[ البقرة : 143 ]
وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ