الشيخ ما يعطيه ، فنزع ثوبا من على جلده ودفعه إليه وقال : بعه بما تيسر وأنفقه .
واعتذر إليه من كونه لم يكن معه شيء من النفقة » اه « 1 » .
وما يروى عنه في هذا الباب كثير مما يدل على كمال مروءته وسخاء نفسه .
2 - قوته وشجاعته :
لقد ضرب شيخ الإسلام أروع الأمثال في ميدان القوة والشجاعة ففي ميدان الجهاد بطل مغوار لا يشق له غبار ، يتبين هذا جليّا ما فعله ضد التتار ويأتي الكلام على شيء من ذلك .
إضافة إلى أنه كان ذا شخصية قوية ، ونفس لا تهاب الصعاب كان يقف أمام السلاطين والظلمة ينصحهم ويخوفهم ويحذرهم برباطة جأش يهابه كل من حضر ، لا يخاف في اللّه لومة لائم .
من مواقفه المشهورة التي تترجم قوة شخصيته وتنبئ عن شجاعته : موقفه من « قازان » سلطان التتار - مع ما اشتهر عنهم من التسلط والظلم والبربرية - فقد ذهب إليه شيخ الإسلام مع مجموعة من تلامذته ، وكلّمه بشدة ومما قاله له : « أنت تزعم أنك مسلم ومعك مؤذن وقاض وإمام وشيخ على ما بلغنا ، فغزوتنا وغزوت بلادنا على ما ذا ؟ . . . إلى أن قال : وأنت عاهدت فغدرت ، وقلت فما وفيت » ولما قربوا الطعام ، فأكلوا إلا شيخ الإسلام ، فقيل له : ألا تأكل ؟ فقال : كيف آكل من طعام وكله مما نهبتم من أغنام الناس ، وطبختموه بما قطعتم من أشجار الناس .
ووقعت له معه أمور تبين مقدار ما يتمتع به شيخ الإسلام من قوة وشجاعة يعجز عنها الوصف « 2 » .
وكان إذا حضر الجهاد مع المسلمين يشجعهم ويثبتهم ، ويعدهم النصر ، ويقوي عزائمهم حتى كأنه هو القائد وهو الأمير وهو السلطان ، وما هو إلا واحد من الجند .
ولم أر أمثال الرجال تفاوتوا * لدى الفضل حتى عدّ ألف بواحد
قال عنه الذهبي : « وأما شجاعته فبها تضرب الأمثال ، وببعضها يتشبه أكابر الأبطال » اه « 3 » .
هامش
( 1 ) المصدر السابق ص 61 .
( 2 ) انظر تفصيل ذلك في البداية والنهاية ( 14 / 89 ) .
( 3 ) العقود الدرية ص 118 .