والمحافل في صغره ، ويناظر ويفحم الكبار ويأتي بما يتحير منه أعيان البلد في العلم . فأفتى وله تسع عشرة سنة ، بل أقل ، وشرع في الجمع والتأليف من ذلك الوقت ، وأكبّ على الاشتغال ، ومات والده - وكان من كبار الحنابلة وأئمتهم - فدرس بعد بوظائفه وله إحدى وعشرون سنة ، واشتهر أمره ، وبعد صيته في العالم . . . « 1 » .
وهكذا بدأ شيخ الإسلام تقي الدين حياته العلمية حتى أصبح آية من آيات اللّه في الفهم وسعة الاطلاع ، وقوة الحجة ، وسرعة البديهة .
ثالثا بعض الصفات التي اتصف بها
أ - صفاته الخلقية :
وصفه الذهبي : بأنه كان أبيض ، أسود الرأس واللحية قليل الشيب ، شعره إلى شحمة أذنيه ، كأن عينيه لسانان ناطقان ، ربعة من الرجال ، بعيد ما بين المنكبين ، جهوري الصوت ، فصيحا ، سريع القراءة ، تعتريه حدة لكن يقهرها الحلم « 2 » .
ب - صفاته الخلقية :
1 - كرمه :
كان رحمه اللّه سخيّا جوادا ، لا يرد سائلا قط ، ويجود بكل ما يستطيع ، حتى ولو يشاطره بعض لباسه الذي عليه ، ومن طريف ما يروى في ذلك ما ذكره البزار قال : « حدثني الشيخ العالم الفاضل المقرئ أحمد بن سعيد قال : كنت يوما جالسا بحضرة شيخ الإسلام ابن تيمية رضي اللّه عنه . فجاء إنسان فسلم عليه فرآه الشيخ محتاجا إلى ما يعتم به . فنزع الشيخ عمامته من غير أن يسأله الرجل فقطعها نصفين ، واعتم بنصفها ودفع النصف الآخر إلى ذلك الرجل . . . » اه « 3 » .
وذكر البزار أيضا قال : « حدثني من أثق به أن الشيخ رضي اللّه عنه كان مارّا يوما ببعض الأزقة ، فدعا له بعض الفقراء ، وعرف الشيخ حاجته ، ولم يكن مع
هامش
( 1 ) العقود الدرية ص 4 - 5 .
( 2 ) الدرر الكامنة ( 1 / 161 ) ، البدر الطالع ( 1 / 64 ) .
( 3 ) الأعلام العلية ص 59 .