والنار وأعد فيهما الثواب والعقاب ، وتفاصيل أحوالهما ، وطريق الوصول إلى الأول ، والاحتراز عن الثاني ، مما لا يستقل به العقل .
وكذا خلق الأجسام النافعة والضارة ، ولم يجعل للعقول والحواس الاستقلال بمعرفتهما . وكذا جعل القضايا منها ما هي ممكنات لا طريق إلى الجزم بأحد جانبيه . ومنها ما هي واجبات أو ممتنعات لا يظهر للعقل الا بعد نظر دائم وبحث كامل ، بحيث لو اشتغل الانسان به ، لتعطلت أكثر مصالحه ، فكان من فضل الله تعالى ورحمته ارسال الرسل لبيان ذلك ، كما قال تعالى :
« وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ »
« 1 » ( وأيدهم ) أي الأنبياء ( بالمعجزات الناقضات للعادات ) جمع معجزة وهي أمر يظهر بخلاف العادة على يدي مدعى النبوة عند تحدى المنكرين ، على وجه يعجز « 2 » المنكرين عن الاتيان بمثله . وذلك لأنه لولا التأييد بالمعجزة ، لما وجب قبول قوله ، ولما بان الصادق في دعوى الرسالة عن الكاذب . وعند ظهور المعجزة يحصل الجزم بصدقه بطريق جرى العادة ، بأن الله تعالى يخلق العلم بالصدق عقيب ظهور المعجزة ، وان كان عدم خلق العلم ممكنا في نفسه . وذلك كما إذا ادعى أحد بمحضر جماعة « 3 » : أنه رسول هذا الملك إليهم ، ثم قال للملك : ان كنت صادقا فخالف عادتك ، وقم من مكانك . ثلاث مرات . ففعل ، يحصل للجماعة علم ضروري عادى بصدقه في مقالته ، وان كان الكذب ممكنا في نفسه . فان الامكان الذاتي بمعنى التجويز العقلي لا ينافي حصول العلم القطعي ، كعلمنا بأن « جبل أحد » لم ينقلب ذهبا ، مع امكانه في نفسه . فكذا هاهنا يحصل العلم بصدقه ، بموجب العادة ، لأنها أحد طرق العلم القطعي « 4 » كالحس .
ولا يقدح في ذلك العلم : احتمال كون المعجزة من غير الله أو كونها لا لغرض التصديق ، أو كونها لتصديق الكاذب ، إلى غير ذلك من الاحتمالات ، كما لا يقدح في العلم الضروري الحسى بحرارة
هامش
( 1 ) الله تعالى : خ - الأنبياء 107
( 2 ) يعجزهم : خ .
( 3 ) من الجماعة : ط .
( 4 ) القطعي : ط .