أولى من تفسيره بما يتغذى به الحيوان ، لخلوه عن معنى الإضافة إلى الله تعالى ، مع أنه معتبر في مفهوم الرزق . وعند المعتزلة : الحرام ليس برزق ، لأنهم فسروه تارة بمملوك يأكله المالك ، وتارة بما لا يمنع من « 1 » الانتفاع به . وذلك لا يكون الا حلالا ، لكن يلزم على الأول أن لا يكون ما يأكله الدواب رزقا . وعلى الوجهين ان من أكل الحرام طول عمره ، لم يرزقه الله تعالى أصلا . ومبنى هذا الاختلاف على أن الإضافة إلى الله تعالى معتبرة في معنى الرزق ، وأنه لا رازق الا الله وحده ، وأن العبد يستحق الذم والعقاب على أكل الحرام . وما يكون مستندا إلى الله تعالى ، لا يكون قبيحا ، ومرتكبه لا يستحق الذم والعقاب . والجواب : ان ذلك لسوء مباشرة أسبابه ، باختياره .
( وكل يستوفى رزق نفسه حلالا كان أو حراما ) لحصول التغذى بهما جميعا ( ولا يتصور أن لا يأكل انسان رزقه أو يأكل غيره رزقه ) لأن ما قدره الله غذاء لشخص ، يجب أن يأكله ، ويمتنع أن يأكله غيره . وأما بمعنى الملك فلا يمتنع .
[ يضل لله من يشاء ويهدى من يشاء ]
( والله تعالى يضل من يشاء ويهدى من يشاء ) بمعنى خلق الضلالة والاهتداء ، لأنه الخالق وحده . وفي التقيد بالمشيئة إشارة إلى أنه ليس المراد بالهداية بيان طريق الحق ، لأنه عام في حق الكل ، ولا الاضلال عبارة عن وجدان العبد ضالا أو تسميته ضالا ، إذ لا معنى لتعليق ذلك بمشيئة الله تعالى .
نعم قد تضاف الهداية إلى النبي عليه السلام مجازا بطريق التسبب ، كما تسند إلى القرآن . وقد يسند الاضلال إلى الشيطان مجازا ، كما يسند إلى الأصنام ، ثم المذكور في كلام المشايخ أن الهداية عندنا خلق الاهتداء . ومثل هداه الله تعالى فلم يهتد : مجاز عن الدلالة والدعوة إلى الاهتداء . وعند المعتزلة بيان طريق الصواب . وهو باطل ، لقوله تعالى :
« إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ »
« 2 » ولقوله عليه السلام « اللهم اهد قومي » مع أنه بين الطريق ودعاهم « 3 » إلى الاهتداء . والمشهور : ان الهداية عند المعتزلة هي الدلالة
هامش
( 1 ) من : ط .
( 2 ) القصص 56
( 3 ) ودعا : خ .