ولا قصد ولا اختيار . وهذا باطل ، لأنا نفرق بالضرورة بين حركة البطش وحركة الارتعاش ، ونعلم أن الأول باختياره دون الثاني ، ولأنه لو لم يكن للعبد فعل أصلا ، لما صح تكليفه ، ولا ترتب استحقاق الثواب والعقاب على أفعاله ، ولا اسناد الأفعال التي تقتضى سابقية القصد والاختيار إليه على سبيل الحقيقة . مثل صلى وصام وكتب ، بخلاف مثل طال الغلام ، واسود لونه .
والنصوص القطعية تنفى ذلك . كقوله تعالى :
« جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ »
« 1 » وقوله تعالى :
« فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ ، وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ »
« 2 » إلى غير ذلك .
فان قيل : بعد تعميم علم الله تعالى وإرادته : الجبر لازم قطعا . لأنهما اما أن يتعلقا بوجود الفعل ، فيجب أو بعدمه فيمتنع .
ولا اختيار مع الوجوب والامتناع . قلنا : يعلم ويريد أن العبد يفعله أو يتركه باختياره . فلا اشكال .
فان قيل : فيكون فعله الاختياري واجبا أو ممتنعا . وهذا ينافي الاختيار . قلنا : ممنوع . فان الوجوب بالاختيار محقق للاختيار لا مناف له « 3 » . وأيضا : منقوض بأفعال الباري ( جل ذكره - لان علمه وارادته متعلقان بأفعاله ، فيلزم أن يكون فعله واجبا عليه ) « 4 » .
فان قيل : لا معنى لكون العبد فاعلا بالاختيار ، الا كونه موجدا لأفعاله بالقصد والإرادة . وقد سبق : أن الله تعالى مستقل بخلق الأفعال وايجادها . ومعلوم أن المقدور الواحد لا يدخل تحت قدرتين مستقلتين . قلنا : لا كلام في قوة هذا الكلام ومتانته ، الا أنه لما ثبت بالبرهان أن الخالق هو الله تعالى . وبالضرورة ان لقدرة العبد وارادته مدخلا ، في بعض الأفعال ، كحركة البطش دون البعض ، كحركة الارتعاش ، احتجنا في النقض « 5 » عن هذا المضيق إلى القول بأن الله تعالى خالق كل شيء « 6 » ، والعبد كاسب . وتحقيقه .
أن صرف العبد قدرته وارادته إلى الفعل : كسب ، وايجاد الله تعالى الفعل عقيب ذلك : خلق . والمقدور الواحد داخل تحت قدرتين ،
هامش
( 1 ) الواقعة 24 .
( 2 ) الكهف 29 .
( 3 ) له : خ .
( 4 ) سقط خ .
( 5 ) التقصي : ط .
( 6 ) كل شيء : ط .