فلا يصح تكليفهما بالايمان والطاعة . قلنا : انه تعالى أراد منهما الكفر والفسق باختيارهما ، فلا جبر ، كما أنه تعالى علم منهما الكفر والفسق بالاختيار ، ولم يلزم تكليف المحال . والمعتزلة أنكروا إرادة الله تعالى للشرور والقبائح ، حتى قالوا « 1 » : انه تعالى أراد من الكافر والفاسق ايمانه وطاعته ، لا كفره ومعصيته ، زعما منهم أن إرادة القبيح قبيحة كخلقه وايجاده . ونحن نمنع ذلك بل القبيح كسب القبيح والاتصاف به . فعندهم يكون أكثر ما يقع من أفعال العباد ، على خلاف إرادة الله تعالى . وهذا شنيع جدا « 2 » .
حكى عن « عمرو بن عبيد » أنه قال : ما الزمنى أحد مثل ما ألزمنى مجوسي كان معي في السفينة . فقلت له : لم لا تسلم ؟
فقال : لأن الله لم يرد اسلامى : فإذا أراد الله اسلامى أسلمت .
فقلت للمجوسي : ان الله تعالى يريد اسلامك ، ولكن الشياطين لا يتركونك . فقال المجوسي : فأنا أكون مع الشريك الأغلب .
وحكى أن « القاضي عبد الجبار الهمداني » دخل على « الصاحب ابن عباد » وعنده « الأستاذ أبو إسحاق الأسفرايني » فلما رأى الأستاذ . قال : سبحان من تنزه عن الفحشاء . فقال الأستاذ - على الفور - سبحان من لا يجرى في ملكه الا ما يشاء .
والمعتزلة اعتقدوا أن الأمر يستلزم الإرادة ، والنهى عدم الإرادة فجعلوا ايمان الكافر مرادا ، وكفره غير مراد . ونحن نعلم أن الشيء قد لا يكون مرادا ، ويأمر به . وقد يكون مرادا ، وينهى عنه لحكم ومصالح يحيط بها علم الله تعالى ، أو لأنه
« لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ »
« 3 » ألا ترى أن السيد إذا أراد أن يظهر على الحاضرين عصيان عبده ، يأمره بالشيء ، ولا يريده منه .
وقد يتمسك من الجانبين بالآيات . وباب التأويل مفتوح على الفريقين .
[ القول في ان للعباد أفعالا اختيارية ]
( وللعباد أفعال اختيارية يثابون بها ) ان كانت طاعة ( ويعاقبون عليها ) ان كانت معصية لا كما زعمت الجبرية من أنه لا فعل للعبد أصلا ، وأن حركاته بمنزلة حركات الجمادات لا قدرة للعبد عليها
هامش
( 1 ) قالوا : ط .
( 2 ) وهذا شنيع جدا : سقط خ .
( 3 ) الأنبياء 23 .