اعلم أن الأحكام الشرعية ، منها ما يتعلق بكيفية العمل وتسمى فرعية وعملية . ومنها ما يتعلق بالاعتقاد ، وتسمى أصلية واعتقادية .
العلم « 1 » المتعلق بالأولى ، يسمى علم الشرائع والأحكام ، لما أنها لا تستفاد الا من جهة الشرع ، ولا يسبق الفهم عند اطلاق الأحكام الا إليها . وبالثانية علم التوحيد والصفات ، لما أن ذلك أشهر مباحثه وأشرف مقاصده .
وقد كان « 2 » الأوائل من الصحابة والتابعين - رضوان الله عليهم أجمعين - لصفاء عقائدهم ، ببركة صحبة النبي عليه السلام ، وقرب العهد بزمانه ، ولقلة الوقائع والاختلافات ، وتمكنهم من المراجعة إلى الثقات ، مستغنين عن تدوين العلمين وترتيبهما أبوابا وفصولا ، وتقرير مباحثهما « 3 » فروعا وأصولا .
إلى أن حدثت الفتن بين المسلمين ، وغلب « 4 » البغى على أئمة الدين ، وظهر اختلاف الآراء ، والميل إلى البدع والأهواء ، وكثرت الفتاوى والواقعات ، والرجوع إلى العلماء في المهمات . فاشتغلوا بالنظر والاستدلال والاجتهاد والاستنباط وتمهيد القواعد والأصول ، وترتيب الأبواب والفصول ، وتكثير المسائل بأدلتها ، وايراد الشبه بأجوبتها ، وتعيين الأوضاع والاصطلاحات ، وتبيين المذاهب والاختلافات .
وسموا ما يفيد معرفة الأحكام العملية عن أدلتها التفصيلية :
بالفقه . ومعرفة أحوال الأدلة اجمالا ، في إفادتها الأحكام : بأصول الفقه ، ومعرفة العقائد عن أدلتها : بالكلام . لأن عنوان مباحثه : كان قولهم الكلام في كذا وكذا ولأن مسألة الكلام كانت أشهر مباحثه ، وأكثرها نزاعا وجدالا ، حتى أن بعض المتغلبة قتل كثيرا من أهل الحق ، لعدم قولهم بخلق « 5 » القرآن ، ولأنه يورث قدرة على الكلام ، في تحقيق الشرعيات ، والزام الخصوم . كالمنطق للفلسفة ، ولأنه أول ما يجب من العلوم التي انما تعلم وتتعلم بالكلام ، فأطلق عليه هذا الاسم « 6 » لذلك ثم خص به ، ولم يطلق على غيره تمييزا .
هامش
( 1 ) فالعلم : ص
( 2 ) كانت : ص
( 3 ) مقاصدهما : خ .
( 4 ) وغلب : ط .
( 5 ) ظهرت فتنة خلق القرآن في عهد الخليفة المأمون رضي الله عنه .
( 6 ) يعنى الكلام .