يقرب من الحق لكن الحق بفضله وكرمه يقرب إحسانه منه . فلهذا قال
« فَإِنِّي قَرِيبٌ »
ورابعها : أن الداعي ما دام يبقى خاطره مشغولا بغير اللّه فإنه لا يكون دعاؤه خالصا لوجه اللّه ، فإذا فنى عن الكل وصار مستغرقا في معرفة الأحد الحق امتنع أن يبقى بينه وبين الحق وساطة وذلك هو معنى القرب ، فلذلك قال سبحانه وتعالى
« فَإِنِّي قَرِيبٌ »
.
الحجة الثانية : قوله تعالى
« وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ »
« 1 » وفي هذه الآية كرامة عظيمة لأمتنا لأن بني إسرائيل فضلهم اللّه تفضيلا عظيما فقال في حقهم
« وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ »
« 2 » وقال أيضا
« وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ »
« 3 » تم مع هذه الدرجة العظيمة
« قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ »
« 4 » وقال الحواريون مع غاية جلالتهم وقولهم
« نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ »
« 5 » لعيسى عليه السلام
« هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ »
« 6 » تم إنه رفع هذه الوساطة عن هذه الأمة وقال مخاطبا لهم
« ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ »
وقال
« وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ »
« 7 » فإن قيل قوله
« ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ »
وعد من اللّه تعالى فيلزم الوفاء به ولا يجوز وقوع الخلف فيه ، ثم إنا نرى الداعي يدعو فلا يجبه الرب تعالى ، وكذا هذا السؤال وارد على قوله تعالى
« أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ »
« 8 » فالجواب هذا وإن كان مطلقا في اللفظ إلا أنه مقيد ، فإنه إنما يستجاب من الدعاء ما وافق القضاء ؛ وقد قيل أيضا أن الداعي يعوض من دعائه عوضا ما ، فربما كان
هامش
( 1 ) جزء من الآية 60 من سورة غافر .
( 2 ) جزء من الآيتين 47 ، 122 من سورة البقرة .
( 3 ) جزء من الآية 20 من سورة المائدة .
( 4 ) جزء من الآيتين 68 ، 69 من سورة البقرة .
( 5 ) جزء من الآية 52 من سورة آل عمران ، 14 من سورة الصف .
( 6 ) جزء من الآية 112 من سورة المائدة .
( 7 ) جزء من الآية 32 من سورة النساء .
( 8 ) جزء من الآية 62 من سورة النمل .