الخامس : أن الحق ذكر في نداء المكلفين ألفاظا ثلاثة وهي قوله يا أيها ، وذلك لأن هذه الكلمة مركبة من ألفاظ ثلاثة ؛ وهي يا أي ، ها ، والمراتب على ما عرفت ثلاث ، فلفظة يا ؛ نصيب الظالمين ، ولفظة أي ، نصيب المقتصدين ، ولفظة ها ، نصيب السابقين ، ولما عرّف نفسه قال
« هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ »
فهو نصيب السابقين ، واللّه نصيب المقتصدين ، وأحد نصيب الظالمين .
فالحاصل أن كلامه مع المقربين ليس إلا قوله ها ، وكلام المقربين نفسه ليس إلا قوله هو ، فمنه إليك قوله ها ، ومنك إليه قولك هو ، فسبحان من احتجب عن العقول بشدة ظهوره ، واختفى عن مقل الأرواح بكمال نوره .
القول في تفسير قولنا ( اللّه ) وفيه مسائل
مسئلة لفظ اللّه من الألفاظ العربية : قال أبو زيد البلخي قولنا اللّه ليس من الألفاظ العربية ، وذلك لأن اليهود والنصارى يقولون إلها ، والعرب أخذوا هذه اللفظة منهم ، وحذفوا المدة التي كانت موجودة في آخرها ، وذلك لأن المدة كثيرة في اللغة السريانية ، وميل العرب إلى التخفيف والإيجاز ، فحذفوا هذه المدة ، مثل قولهم بدل أبا أب وبدل روحا روح ، وبدل نورا نور ، وبدل ليلا ليل وبدل يوما يوم ، وفيما يشبه هذا اسم الملك ، فان الموجود في لغتى العبرانية والسريانية بدل ملك مالاخا وهذه الخاء ترجع في عامة الألفاظ المعربة المنقولة من السريانية إلى الكاف ، كما قالوا لميخائيل ميكائيل ، وقالوا لصخريا زكريا ، وكذلك لفظ الفردوس من لفظ فرديسا ، واسم جهنم معربة من لفظ كهنام . . .
وأما أكثر العلماء فقد اتفقوا على أن هذه اللفظة [ اللّه ] عربية ، وهو الصحيح ، ويدل عليه وجوه :
الحجة الأولى : أن العرب وإن كانوا يعبدون الأوثان إلا أنهم كانوا معترفين بوجود خالق العالم ، ويبعد أن يقال إنهم مع هذا الاعتراف ما كانوا يعرفون له اسما في لغتهم ، حتى أخذوه عن لغة أخرى .