ولما انتقلت الخلافة إلى العراق وأصبحت الكوفة المركز الرسمي لخلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام ، انتقل الصراع السياسي إلى هذا البلد وأصبح مركزا مهمّا لنشوء الأحزاب والمذاهب السياسية ومركزا للصراع الفكري والعقائدي والمذهبي ، ثم الأحداث السياسية الخطيرة التي واجهها الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام كانت لها دور كبير لنشوء أفكار وعقائد برزت منها معتقدات غالى أصحابها وشكّلت منعطفا خطيرا في تاريخ المسلمين .
فمن تلك الأحداث المهمّة الحروب التي خاضها أمير المؤمنين عليه السّلام ضد طلحة والزبير ، ومعاوية ، والخوارج ، فكانت الحروب الثلاثة المهمّة ؛ حرب الجمل في البصرة ، وحرب صفين ، والنهروان هي الحروب التي خلّفت معتقدات كثيرة منشؤها ذاك الاختلاف السياسي والصراع بين كبار الصحابة والتابعين ، والذي كان يدور خلافهم أوّلا حول الخلافة والإمامة ثم تطوّر ليشمل تقديم الفاضل على المفضول أو بالعكس ، والخلاف في الحسن والقبح العقليين وهكذا الخلاف بين القديم والحادث وأمور أخرى مردّها سياسي بحت .
إذن الكوفة والبصرة أصبحتا من المراكز المهمّة في العالم الإسلامي إذ فيهما نشأت أهم الأحزاب السياسية والمذاهب الفكرية ، فالكوفة كانت علوية الهوى والبصرة كانت عثمانية المذهب .
ففي البصرة نشأت فكرة الاعتزال ، ونضجت فيها أفكار في الدين والسياسة والتي بعضها إلى الغلو أقرب .
وأما الكوفة ، فلم يستتب لها قرار بعد مقتل الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام ، وإنما أصبحت مركزا علميا كبيرا يجمع مختلف الطوائف والعقائد ، إلّا أن أبرزها هو الفكر الأصيل المتمثّل بخط أهل البيت عليهم السّلام .
فاحتفظت بولائها للأئمة عليهم السّلام إلى جانب الإشعاع المذهبي الديني الذي كان يغذّيه الأئمة المعصومين عليهم السّلام .
قد يتصور الباحث أن بانتهاء الدولة الإسلامية الشرعية من الكوفة ستقوم مقامها دولة لقيطة في الشام يحكمها معاوية بن أبي سفيان ، ثم مصالحة الإمام الحسن عليه السّلام لمعاوية ، سوف تنتقل الاضطرابات السياسة والأحزاب من العراق - وبالخصوص الكوفة - إلى الشام . . إلا أن هذا التصور غير صحيح ، بل بقيت الكوفة والبصرة مركزا لتلك المناوشات
شبهة الغلو عند الشيعة — صفحة 38
مساهمون: عبد الرسول غفار
ص٣٨