والمعتزلة تضم اثنتي عشر فرقة : منها الواصلية والهزلية والنظامية والجاحظية والجبائية . . . وكلها قائلة بفكرة معبد الجهني المؤسس الأوّل ثم تابعه الحسن البصري وواصل بن عطاء . . . والجميع يقرّون الحرية المطلقة للإنسان ، وإنه في معزل عن إرادة اللّه تعالى ، وهذا لا يخفى من كونه من معتقدات المجوس الثنوية الذين قالوا بإله الخير وإله الشر .
لأن فكرة المعتزلة تجعل للإنسان إرادة خاصة منفكّة عن إرادة اللّه تعالى وهذا يبعد الإنسان عن إطار التوحيد ليقذفه في حياض الشرك حيث يصبح الإنسان في هذه الحرية صاحب إرادة وحكومة مطلقة ، بعبارة أخرى أن اللّه - على حد زعمهم - أوجد المخلوقات بأسبابها الخاصة ثم انفصل عنها وجعلها ذوات مستقلة لا ارتباط لها بالأسباب والعلل المؤثّرة من قبل اللّه تعالى . وهذا يقضي أن في الوجود قوّتين وقدرتين ، وهذا هو الشرك بعينه . . . إلّا أنّ المعتزلة أغمضت عن ذلك .
المؤثر الحقيقي هو اللّه وحده لا شريك له حيث لو أراد سبحانه أن يذهب بأثر إرادة الإنسان في أفعاله لفعل . فلا ينفك الوجود بما فيه من أسباب وعلل ناقصة من القدرة الإلهية بل لا يخرج من كونه من فعل اللّه سبحانه وإنه مفتقر إليه في كل آن . وبعبارة أخرى أن إعطاء القدرة والاختيار هو فعل اللّه سبحانه لكن الفعل المقدور والمختار من قبل العبد هو فعل العبد .
من كل ما تقدم عرفت عقيدة المجبّرة والمعتزلة واتضح أن كل واحد منها غالت في عقائدها وأصبحت على طرفي نقيض ، وهما في الشرك والكفر قد سقطوا من حيث شاءوا أو أبوا .
وهذا الغلو لا يوجد عند متكلمي الشيعة ، بل هو مرفوض ، بل إن نسبته إلى الفرق المتقدمة هو أليق .
والذي يعطينا الحل المناسب والصحيح هو الأخذ بقول أهل البيت عليهم السّلام حيث وضعوا القول الفيصل في المسألة وأقرّوا أن الأمر بين الأمرين فلا جبر إذن ولا تفويض ، وهذا هو مذهب الإمامية الاثنا عشرية فلا هم على رأي المجبّرة ولا هم على رأي المعتزلة ، بل أقروا أن الإنسان موجود لأفعاله ، ولكن بالقدرة التي أودعها اللّه فيه ، فإذا وجد الداعي وارتفع المحذور صدر الفعل عن فاعله ، ونسب إليه ما فعله ، وشأنه في ذلك شن الإحراق للنار من حيث قيام المعلول بعلته .
شبهة الغلو عند الشيعة — صفحة 115
مساهمون: عبد الرسول غفار
ص١١٥