وليس للمعترض أن يعترض على ذلك فيقول : إنما انحط ما في الإناء لزوال بعض أجزائه واختطاف الهواء إياها . فإن هذا لو كان سديدا ، لانتقص وزن الشيء في حال انجماده عن وزنه في حال انمياعه . وليس الأمر كذلك ، فإن الإناء الذي فيه سمن مذاب ، إذا انجمد ، لم ينقص وزنه مع ظهور انحطاطه . ولو ذاب بعد انجماده ، لعاد ماليا للإناء .
فإن قال قائل : إذا قدرتم تجافيا في خلل أجزاء الماء ، فينبغي أن تكون تلك الفرج مضغوطة بالهواء ، وهذا سبيل كل فرجة بين جسمين . وإذا كان كذلك ، فالإناء ممتلئ بالجواهر إذا ، فينبغي أن تعادل جواهر الزئبق . فإن الجوهر هواء كان أو ماء ، لا يتفاضل في الثقل عند من صرف الثقل إلى أنفس الجواهر .
والقائل الأول أن ينفصل عن ذلك ويقول : لست أنكر فرجا لا يحتوي على أجزاء الهواء ، ولست أنكر تخلخلا في أجزاء الهواء .
ومما تمسك به من أثبت الثقل معنى أن قال : ملأ الإناء من الزئبق مثل ملئه من الماء قريبا من خمسين ضعفا . فلو كان الأمر في ذلك آئلا إلى الفرج ، لما تفاوت هذا التفاوت العظيم .
واستدل أيضا هذا القائل بأن قال : الزق الملفوف لو وزن فكان رطلا ، ثم نفخ فيه وأحكم بالوكاء « 1 » ، ثم رد في الميزان ، ولم يكن رجحان في عين الميزان مع علمنا بثبوت أجزاء الهواء في الزق « 2 » بعد أن لم تكن . وهذا لأن الهواء لا ثقل له ، وهذا محيل جدا ، ولأجله مال القاضي إلى أن الثقل معنى ، واللّه أعلم .
فإن قال قائل : إنما لم يثقل الزق لرومه الاستعلاء . فهو كالثقيل المربوط بعماد إذا ماسته الكفة ، وهذا ما نستخير اللّه فيه .
فصل [ معنى الاعتماد ]
فإن قال قائل : قد قدمتم الثقل ومعناه ، فما الاعتماد وما معناه ؟
قلنا : من صار من أصحابنا إلى أن الثقل يؤول إلى أنفس الجواهر ، فلا يقدر الاعتماد معنى . وقد يميل الأستاذ إلى ذلك في كثير من مجاري كلامه ، ويقول ذلك على أصول أهل
هامش
( 1 ) الوكاء : خيط تشد به الصرة أو الكيس أو القربة وغيرها ( ج ) أوكية .
( 2 ) الزّق : وعاء من جلد يتخذ للماء أو الشراب ( ج ) أزقاق ، وزقاق .