فنعلم أن الصفحة العليا تتصل بصفحة مستترة بالعليا ، وكيف يتحقق اتصالها ، وهي في نفسها لا تتناهى لتنتهي إلى الاتصال . وإنما يتحقق الاتصال بين منقطع الشيئين . وأصل النظّام يمنعه من تصوير منقطع الصفحة التي نراها لمتصل منقطعها بمنقطع طبقة تحتها . وقد أوضحنا واضطررنا النظام إلى القول بالطفرة في ذلك .
قال الأستاذ أبو إسحاق : ظن النظّام في أن الاتصال لا يتصور مع تحقيق الاتحاد ، مقلوب عليه ؛ إذ المانع من الاتصال نفي التناهي . فلو لم يقل بالاتحاد لما تصور الانقطاع ، وإذا لم يتصور ، لم يتصور الاتصال . وهذا واضح في العكس عليه .
ثم نقول : لا معنى لاتصال ستة من الجواهر بالجوهر الواحد ، إلا أن الجواهر شغلت أحيازا ولم يتخللها تقدير حيز يشغله جوهر آخر ، ولا معنى للملاقاة إلا ذلك . وإذا فرضنا في جوهرين وضح في الستة . فإذا خلق اللّه جوهرا فردا ، ثم خلق جوهر آخر ملاقيا له ، فلا تؤثر ذات أحد الجوهرين في الآخر ، ولا تؤثر أعراضه أيضا في ذات الآخر لأصول قدرناها .
بل كل جوهر مختص بحيزه وكونه الذي خصصه به . ولا معنى لتلاقي جوهرين واجتماعهما ، إلا أنهما ثبتا سويا في حيزين لا يقدر بينهما حيز لجوهر ثالث .
وإنما صعب موقع هذا السؤال على الجهلة من حيث حاولوا تصوير الجوهر الفرد في ضمائرهم ، ورتبوا على تصويره تصوير الاتصال به . وليس يتصور في هواجس الأنفس وفكر القلوب إلا الأجسام ، وكيف يطمع في تصوير فرع ليس يتصور أصله ؟ ! وهذا دفع ظاهر لتمويه النظام ، ولا يبقى له بعد إلا التشغيب الذي لا يكترث بمثله لبيب . وهذا نحو سؤاله عن جوهر على متصل جوهرين . فإنه لما منع عن ذلك كفّر منه ونحر ، وصور جسما على متصل جسمين .
ومعظم الزلل في هذه المسألة ينشأ من تصوير الجوهر الفرد في الأوهام ، وهو مستبعد في اطراد العادات .
فأما الذي ذكره من تستر الجوهر من وجه وانكشافه من وجه ، فهذا لا محصول له .
فإن الجوهر الفرد لم تجر العادة برؤيته . والحجب عندنا غير مانعة من الإدراك . فلو أجرى اللّه العادة بإدراك الجوهر الفرد ، لكان من أدركه من جهة فقد أدركه على الحقيقة ، ويستحيل أن يقدر له وجه غير مدرك .
فإن قال قائل : إن لم تلتزموا كون الحجب مانعة سائرة في تحقيق البصر ، فلا تمنعوا ذلك في جري العادة . والذي قدمنا يلزمكم في جري العادة ، وهذا باطل ، فإن الحجاب ليس يحجز المدرك عن المدارك في مستقر العادة ، بل قد يرتب عليه بخبا حجز المدرك عن
الشامل في أصول الدين — صفحة 270
مساهمون: عبد الملك الجويني
ص٢٧٠