وسائر طوائف أهل البدع إلا سوء الفهم عن اللّه ورسوله حتى صار الدين بأيدي أكثر الناس هو موجب هذه الأفهام ، والذي فهمه الصحابة ومن تتبعهم عن اللّه ورسوله فمهجور لا يلتفت إليه ولا يرفع هؤلاء به رأسا ، ولكثرة أمثلة هذه القاعدة تركناها ، فإننا لو ذكرناها لزادت على عشرة ألوف ، حتى أنك لتمر على الكتاب من أوله إلى آخره فلا تجد صاحبه فهم عن اللّه ورسوله ومراده كما ينبغي في موضع واحد .
وهذا إنما يعرفه من عرف ما عند الناس وعرضه على ما جاء به الرسول ، وأما من عكس الأمر بعرض ما جاء به الرسول على ما اعتقده وانتحله وقلد فيه من أحسن به الظن فليس يجدي الكلام معه شيئا فدعه ، وما اختاره لنفسه وعليه ما تولى وأحمد الذي عافاك مما ابتلاه به .
فصل [ أقسام الدور ]
الأمر الثالث : أن اللّه سبحانه جعل الدور ثلاثا : دار الدنيا ، ودار البرزخ ، ودار القرار ، وجعل لكل دار أحكاما تختص بها ، وركب هذا الإنسان من بدن ونفس ، وجعل أحكام دار الدنيا على الأبدان والأرواح تبعا لها ، ولهذا جعل أحكامه الشرعية مرتبة على ما يظهر من حركات اللسان والجوارح وإن أضمرت النفوس خلافه ، وجعل أحكام البرزخ على الأرواح والأبدان تبعا لها ، فكما تبعت الأرواح الأبدان في أحكام الدنيا فتألمت بألمها والتذت براحتها وكانت هي التي باشرت أسباب النعيم والعذاب تبعت الأبدان الأرواح في نعيمها وعذابها ، والأرواح حينئذ هي التي تباشر العذاب والنعيم ، فالأبدان هنا ظاهرة ، والأرواح خفية . والأبدان كالقبور لها ، والأرواح هناك ظاهرة ، والأبدان خفية في قبورها ، تجري أحكام البرزخ على الأرواح فتسري إلى أبدانها نعيما أو عذابا ، كما تجري أحكام الدنيا على الأبدان فتسري إلى أرواحها نعيما أو عذابا ، فأحط بهذا الموضع
هامش
- كل أفكاره وفسر بها القرآن ، وهي :
أ - قوله تعالى :لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.
ب - قوله تعالى :وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ.
ج - قوله تعالى :لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ.
فرفض الجهم كل وصف للّه لم يصف به نفسه ، فهؤلاء يعتقدون أن كل إثبات للصفات في حق اللّه يخرج ذات اللّه عن قدمها الأزلي .