والّذي جرّهم إلى تخصيص فعل العبد بقدرته ونفي صلته بقدرة اللَّه سبحانه هو اضفاء الاختيار على فعله وسلب الجبر ، زاعمين أنّه لو كان لقدرة اللَّه سبحانه تأثير في فعل العبد ، يلزم الجبر .
وأمّا أهل السنّة فالمجبرة منهم يعتقدون بتأثير قدرة واحدة في فعل العبد ، وليس للعباد أيّ دور في أفعالهم ، وإلّا يلزم تأثير اجتماع قدرتين على مقدور واحد . وهذه النظرية هي المنسوبة إلى المجبرة .
وأمّا الأشاعرة فقد نفت اجتماع قادرين على مقدور واحد يؤثران بنسبة واحدة ، ومع ذلك قالوا بإمكان اجتماع قادرين على مقدور واحد ، باختلاف النسبتين ، كما هو الحال في أفعال العباد ، ففيها لقدرة اللَّه دور ، كما أنّ لقدرة العبد دوراً . لكن قدرة اللَّه سبحانه قدرة الاختراع ، وقدرة العبد قدرة الاكتساب « 1 » ، فقدرة اللَّه سبحانه خالقة لفعل العبد وموجدة له ، وأمّا قدرة العبد كاسبة ؛ فاللَّه خالق والعباد كاسبون . وبذلك فارقوا المجبرة ، لفظاً لا معنى ، إذ ليس للكسب معنى صحيح .
إلى هنا خرجنا بالنتائج التالية :
1 . الإمامية يُحيلون اجتماع قادرين على مقدور واحد لكن يجوّزون اجتماعهما على مقدور واحد ، بشرط أن تكون إحدى القدرتين مستقلة والأُخرى تبعية لها . وإلّا يستحيل عندهم اجتماع قادرين على مقدور واحد بنسبة واحدة .
2 . المعتزلة يمنعون اجتماع قادرين على مقدور واحد ، وليس عندهم حلٌّ لاجتماعهما على النحو المذكور عند الإمامية .
3 . الأشاعرة فقولهم في هذه المسألة أشبه بقول الإمامية ( لو كان للكسب
هامش
( 1 ) . شرح الفقه الأكبر لملا علي القاري : 92 .