فإذا كان الحديث مخالفاً لأحد هذه الأُسس القطعية فإنّنا نعلم ضعف الحديث وعدم صدقه وتسرب الوضع إليه من إحدى النواحي دون أن يُتَّهم الصحابي أو التابعي أو مؤلّف الكتاب به .
نعم الشرط هو عدم مخالفته ، لا موافقته لأحد هذه الموازين ، لوجود موضوعات مختلفة حفلت بها الأحاديث الكثيرة ، دون أن يرد في القرآن الكريم - حسب أفهامنا - منها شيء .
فهذا النوع من دراسة الحديث ممّا رسمه سيدنا الراحل في كتابه « أبو هريرة » الّذي نُسب إليه أكثر من خمسة آلاف حديث ، مع أنّه لم يدرك من حياة النبي أكثر من ثلاث سنوات .
وهذا النوع من التحقيق بِكر في بابه ، وقد سار عليه أحد أعلام مصر ألا وهو محمد الغزالي ، حيث ألّف كتابه « الحديث النبوي بين أهل النقل والفهم » الذي أثار ضجة عند بعض المتحجّرين ، وقام أئمة الجمعة والجماعة في بعض المساجد بالتنديد والتشهير بهذا الكتاب ، وما ذلك إلّا لأنّهم ألِفوا وأنِسوا بصحّة عامّة ما في الصحاح والسنن على وجه لا يقبل النقاش .
رحم اللَّه سيدنا الراحل الّذي شق لنا هذا الطريق الّذي سرنا على ضوئه في كتابنا « الحديث النبوي بين الرواية والدراية » فقمنا بدراسة أحاديث ثلة من الصحابة تربو على الأربعين بعد ذكر نبذة مختصرة عن سيرتهم ونماذج من روائع حديثهم ، ثمّ أخذنا بالأحاديث الزائفة المخالفة لأحد هذه الأُسس دون أن نتّهم الصحابي أو التابعي بشيء ، وانّما اتّهمنا مضمون الحديث بالوضع والدس ، وممّا ذكرناه في هذا الكتاب أنموذج لما لم نذكر ، وإلّا فهذا النوع من التحقيق يحتاج إلى دراسة مبسطة منهجية في ضوء سعي لجنة عالمة بأُصول التحديث وقواعده .
رسائل ومقالات — صفحة 663
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٦٦٣