ولكن وقفة قصيرة في المقام تثبت أنّ ما زعموه من العلل أُمور واهية ستنهار قواعدها أمام الدليل القاطع ، وذلك لأنّ ابن تيمية اعتمد على أمرين :
الأوّل : انّ الاحتفال مضاهاة للنصارى في الاحتفال بميلاد عيسى عليه السلام .
الثاني : أنّه من البدع ، لأنّه لم يفعله السلف ، ولو كان هذا خيراً محضاً لكانوا أحقّ به منّا .
لكن الوجهين غير صحيحين :
أمّا الأوّل : فلأنّه ادّعاء بلا دليل ، والتوافق في العمل لا يعدّ دليلًا على المضاهاة للنصارى وأنّهم تبعوا النصارى في هذا العمل ، وربّما يكشف التوافق عن أنّ الاحتفال نزعة إنسانيّة تنبعث من عوامل الحبّ والعاطفة - كما سيوافيك - من غير فرق بين المسلم والمسيحي .
ثمّ إنّ القائمين بالاحتفال لا يدور في خلدهم انّ عملهم مضاهاة وانّهم يقصدون بذلك التشبه بهم .
وإن كنت في ريب من هذا فاسأل القائمين به في أقطار العالم ، دانيه وقاصيه ، وستجد أنّ السبب الداعي للاحتفال هو حبّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتعظيمه وتكريمه .
وأمّا الثاني : فلأنّ عدّه من البدع غفلة عمّا ورد في الكتاب والسنّة الّذي يصحّ أن يكون رصيداً لهذا الاحتفال كما نلاحظه في الموارد التالية :
1 . ما دلّ على وجوب تكريم النبي وتبجيله ، يقول سبحانه :
« فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » .
« 1 »
والمراد من التعزير هو التعظيم والتوقير ، وليس المراد منه هو النصرة
هامش
( 1 ) . الأعراف : 157 .