ومكفوف العينين ، وانّما يريد من عَمي قَلبُه ، ومن المعلوم أنّ « الأعمى » وضع للضرير ، فاستعماله في غيره على نحو من المجاز .
وقال سبحانه :
« وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ » .
« 1 »
فإنّ اللباس حسب اللغة هو ما يلبسه الإنسان ويستر به بدنه ، واللَّه سبحانه استعمله في الجوع المحيط بالإنسان ، وكأنّه شمله الجوع كما يشمل اللباسُ البدنَ .
وبعبارة أُخرى : إنّه سبحانه يُخبر عن إحاطة لباس الجوع عليهم ، فهل هو سبحانه - والعياذ باللَّه - يكذب في ذلك ؟ ! إذ لا شكّ أنّ الجوع ليس لباساً ولم يوضعَ اللفظ له ومع ذلك يخبر عن وجود هذا اللباس ، وما هذا إلا لأنّ القرائن الحافة بالكلام تُخرج الكلام عن كونه كذباً ، ولا يخطر ببال أيّ مخاطب أنّه كذب ، بل لو فُسّر الكلام بالمعنى الحقيقي لعاد كذباً .
وأمّا دليله الثاني ، أيّ كون العدول عن الحقيقة سبباً لنسبة الحاجة إلى اللَّه سبحانه . . .
يلاحظ عليه : بأنّ اللَّه سبحانه كتب على نفسه أن يخاطب الناس عن طريق الوحي بلغتهم ويحاورهم بكلامهم ، يقول سبحانه :
« وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » .
« 2 »
هامش
( 1 ) . النحل : 112 .
( 2 ) . إبراهيم : 4 .