وقد أثبتنا في محاضراتنا حول نظرية المعرفة ، أنّ هذه الفكرة تنتهي إلى السفسطة مائة بالمائة ، والفرق بين ما تبنّاه « كانت » وما تبنّاه بعض الإغريقيين هو أنّ الفرقة الثانية كانوا يطرحون أنظارهم ببساطة وسذاجة ويدعون أنّه ليس لنا علم بالخارج ، ولكن الغرب وعلى رأسهم « كانت » يعرض تلك النظرية بثوب علمي يغري الجاهل .
وإذا كانت مدركات الإنسان تأخذ لنفسها أشكال القوالب الذهنية ، فمن أين نعلم أنّ هناك عالماً وراء ذهننا ومدركاتنا ونحن ندركه ونعرف آثاره ؟ لأنّ هذه الفكرة ( وجود العالم الخارج عن الذهن ) لا يمكن أن تعبّر عن الواقع مائة بالمائة لأنّها انصبغت بصبغة الذهن وأخذت شكل القوالب الذهنية .
3 . أنّ المطلوب في الدين هو الإيمان الجازم والتصديق القاطع ، وقد بعث الأنبياء لتلك الغاية السامية ، يقول سبحانه :
« آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ »
. « 1 »
فلو كانت المفاهيم الدينية مفاهيم غير قطعية وإدراكات متزلزلة تتبدّل كل يوم إلى معنى يغاير الأوّل ، فلا تحصل الغاية السامية من إنزال الكتب وبعث الرسل ، لأنّهم بعثوا لإيجاد الإيمان القاطع باللَّه سبحانه وكتبه ورسله .
نعم إن هذه المسائل وأشباهها التي اشتهرت باسم الكلام الجديد ، وذكرنا في المقام نماذج منها ، كانت تتبلور في الغرب وتهز أركان الكنائس وتُضعف قدرتهم ، وقد قوبلت في الغرب بقيام رجال مخلصين ، تصدّوا لهذه الشبه ونقدوها أفضل النقد ، وقد ألفوا في ذلك مئات الكتب ، ولا يزال ينتشر في كلّ شهر أو
هامش
( 1 ) . البقرة : 285 .