يصف فيها أوضاع العرب قبل البعثة وما أنجزه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد البعثة حتّى أنزل الناس منزلتهم السامية وبلغهم منجاتهم ، فاستقامت قناتهم ، واطمأنت صفاتهم ، ومع هذا التغيير الشامل ، كيف يمكن رمي النبي بالإخفاق في دعوته ؟ بل لا شكّ في نجاحه في ميدان الدعوة والتبليغ .
لكن ثمة نكتة نلفت إليها نظر القارئ الكريم ، وهي انّ معنى نجاح دعوته شيء ، وعدالة كلّ من رآه أو سمع منه شيئاً أو صحبه يوماً أو أيّاماً أو سنة أو سنتين شيء آخر ، إذ لا ملازمة بين نجاح الدعوة وعدالة من صحبه ، فالمراد من نجاحه هو تأثيرها في أُمم العالم ، معاصرة كانت أم لاحقة ، ولا ريب في أنّ الدعوة المحمدية أثرت في أُمم العالم وشعوبها وأصحابه والتابعين لهم بإحسان حتّى المنافقين من أصحابه ، وهم - أي أصحابه - قد أخذوا منه كلٌّ حسب قابليته واستعداده ؛ فقد بلغت عدّة من أصحابه إلى القمة ، كعلي بن أبي طالب ، وسلمان ، وأبي ذر ، والمقداد ، وخزيمة بن ثابت ، إلى غير ذلك من أصحابه الكرام ؛ كما بلغت عدّة منهم درجة متوسطة في الإيمان والعمل ، في حين أخلدت عدّة أُخرى إلى الأرض ، وأخفقت في كلا المجالين ، ومَن قرأ تاريخ الصحابة يعلم أنّهم لم يكونوا على مستوى واحد في الإيمان والعمل .
إنّ فضيلة الشيخ صالح بن عبد اللَّه الدرويش - حفظه اللَّه - من المتحمّسين لعدالة كلّ الصحابة ، فيتصور انّ نقد حياة بعض الصحابة بمعنى جرح الكلّ تغافلًا عن أنّ الصحابة كالتابعين ، فكما أنّ جرح بعض التابعين لا يعني جرحهم جميعاً ، فهكذا جرح بعض الصحابة .
والعجب أنّ الشيخ - حفظه اللَّه - يتمسّك في إثبات ما يتبنّاه بالعواطف دون البرهان ويقول :
رسائل ومقالات — صفحة 606
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٦٠٦