وممّا لا شكّ فيه أنّ مناطق خاصة - لأجل ظروف توفرت فيها - صارت مهداً لنضوج المسائل الفلسفية حتّى توالت فيها تيارات فكرية مختلفة ، فمن صينية إلى إغريقية ، ومن هندوسية إلى فهلوية ، إلى غير ذلك من المشارب والمسالك .
لم يزل تاريخ الثقافة البشرية يحتفل برجال كبار من فلاسفة وعلماء ، وكلتا الطائفتين تشتركان في بذل الجهود لفهم أسرار الكون وحلّ مشاكله غير أنّ هناك فارقاً واضحاً بينهما ، وهو أنّ الفيلسوف يجعل الوجود محوراً لبحثه من دون أن يخصص دراسته بموضوع دون موضوع ، بخلاف الآخر فإنّه يأخذ جزءاً من الكون للبحث والتحليل . مثلًا انّ الأوّل يبحث عن النظام السائد على صحيفة الوجود ، سواء أكان مجرداً أم ماديّاً ، عرضاً أم جوهراً ، وبكلمة جامعة يتخذ الوجود موضوعاً . . . والآخر يبذل جهوده لتحليل جزء من الكون دون جميعه ، فالعدد هو مصب اهتمام الرياضي كما أنّ النجوم والكواكب هي ساحة عمل الفلكي إلى غير ذلك من العلوم .
وبذلك ظهر الفرق بين الفلسفة والعلم ، وإن أردت مزيد توضيح فنقول : الفلسفة تتّخذ الوجود المطلق موضوعاً للبحث ، فتبحث عن تعييناته ككونه واجباً أو ممكناً مجرداً أو ماديّاً ، عرضاً أو جوهراً ، كماً أو كيفاً ، واحداً أو كثيراً ، حادثاً أو قديماً ، علّة أو معلولًا ، كلياً أو جزئياً ، هذا هو شأن الفلسفة ؛ وأمّا العلم فهو يبحث عن أحكام موضوعات خاصة والتي كانت محمولات في تقسيم الوجود .
ولذلك عرّفوا الفلسفة بتعاريف ، كلّها ترمي إلى هدف واحد :
1 . خروج النفس إلى كمالها في جانبي العلم والعمل .
2 . العلم بأحوال أعيان الموجودات على ما هي عليه في نفس الأمر بقدر
رسائل ومقالات — صفحة 366
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٣٦٦