القرآن لبلاغته وفصاحته يصل إلى حد يتميز عن كلّ كلام بشري ، سواء أكان كلام النبي أم غيره ، فلا يحصل الاختلاط حتّى لو كتبا في صفحة واحدة .
إنّ هذا العذر - كما مرّ - أقبح من نفس العمل فإنّه يحطّ من مكانة القرآن وإعجازه ويهبط به إلى درجة ربّما يشتبه فيها غير القرآن بالقرآن لدى العرب الأقحاح ! !
2 . الاشتغال بغير القرآن
هذا هو الوجه الثاني لتبرير منع الخليفة من كتابة الحديث ، وحاصله : انّ تجويز كتابة الحديث كان يلازم ترك كتاب اللَّه العزيز ، والشاهد عليه ما رواه عروة ابن الزبير قال : أراد عمر أن يكتب السنن ، فاستخار اللَّه تعالى شهراً ، ثمّ أصبح وقد عُزم له ، فقال :
« ذكرت قوماً كتبوا كتاباً ، فأقبلوا عليه ، وتركوا كتاب اللَّه عزّ وجلّ » . « 1 »
وسيوافيك أنّ هذا هو السبب الذي حدا بعبد اللَّه بن مسعود إلى أن يدعو بالطست والماء ، لمحو الأحاديث المكتوبة في الصحيفة ، قائلًا بأنّ هذه القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها بغيره . « 2 »
يلاحظ عليه : أنّه لو صحّ ذلك لوجب ترك تحصيل العلم في عامة المجالات من غير فرق بين العلوم الكونية والنفسية والاجتماعية ، لأنّ كلّ ذلك يوجب الاشتغال بغير القرآن .
ثمّ إنّ عطف سائر الكتب على الحديث وجعلهما على درجة واحدة جرأة
هامش
( 1 ) . تقييد العلم : 49 .
( 2 ) . تقييد العلم : 53 - 54 .