الزمانة وقلة الحيلة ، وشدة الحاجة ، فقال : ناولني يدك . فناوله يده ، فاجتذبه فأقامه ، فكان تجمع لطول القعود ، حتى استمر بعد ذلك .
وإنه لم يحي ميتا قط ، وإنما كان داوى رجلا يقال له « لاعازار » إذ أغمي عليه يوما وليلة ، وكانت أمه ضعيفة العقل ، قليلة المعرفة ، فمر بها ، فإذا هي تصرخ وتبكي ، فدخل إليها ليسكتها ويعزيها ، وجس عرقه فرأى فيه علامة الحياة ، فداواه حتى أقامه ، فكانت لقلة معرفتها ، لا تشك أنه قد مات ، ولفرحها بحياته تثني عليه بذلك ، وتتحدث به .
فكيف تستشهدون قوما هذا قولهم في صاحبكم ، حين قالوا : كيف يجوز أن يتكلم صبي في المهد مولودا فيجعله الأولياء والأعداء .
ولو كانت المجوس تقر لعيسى بعلامة واحدة ، وبأدنى أعجوبة ، لكان لكم أن تنكروا علينا بهم ، وتستعينوا بإنكارهم . فأما وحال عيسى في جميع أمره عند المجوس كحال زرادشت في جميع أمره عند النصارى فما اعتلالهم بهم ، وتعلقهم في إنكارهم ؟
وأما قولكم : وكيف لم تعرف الهند والخزر والترك ذلك ؟ فمتى أقرت الهند لموسى بأعجوبة واحدة ، فضلا عن عيسى ؟ ومتى أقرت لنبي بآية ، أو روت له سيرة ، حتى تستشهدوا الهند على كلام عيسى في المهد .
ومتى كانت الترك والديلم والخزر والببر والطيلسان مذكورة في شيء من هذا الجنس ، محتجا بها على هذا الضرب ؟
فإن سألونا عن أنفسهم فقالوا : ما لنا لا نعرف ذلك ولم يبلغنا عن أحد بتة ؟
أجبناهم بعد إسقاط نكيرهم وتشنيعهم ، وتزوير شهودهم .
وجوابنا : أنهم إنما قبلوا دينهم عن أربعة أنفس : اثنان منهم من الحواريين بزعمهم : يوحنا ، ومتى . واثنان من المستجيبة وهما : مارقش ولوقش ، وهؤلاء
رسائل الجاحظ — صفحة 269
مساهمون: الجاحظ
ص٢٦٩