تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ابن حزم الأندلسي — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
- 8 - بسم اللّه الرحمن الرحيم

كتاب الشعر

هذه صناعة قال فيها بعض الحكماء : كلّ شيء يزينه الصدق إلا الساعي والشاعر ، فإن الصدق يشينهما فحسبك بما تسمع . وقال المتقدمون : الشعر كذب ولهذا « 1 » منعه اللّه نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال تعالى :
وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ
( يس : 69 ) وأخبر تعالى أنهم يقولون ما لا يفعلون . ونهى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن الإكثار منه ، وإنما ذلك لأنه كذب إلا ما خرج عن حدّ الشعر فجاء مجيء الحكم والمواعظ ومدح النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . وأما ما عدا ذلك فإن قائله إن تحرّى الصدق فقال « 2 » :
الليل ليل والنهار نهار * والبغل بغل والحمار حمار
والديك ديك والحمامة مثله * وكلاهما طير له منقار
صار في نصاب من يهزأ به ويسخر منه ويدخل في المضاحك ، حتى إذا كذب وأغرق فقال : [ 92 ظ ]
ألف السّقم جسمه والأنين * وبراه الهوى فما يستبين
لا تراه الظنون إلا ظنونا * وهو أخفى من أن تراه الظنون
قد سمعنا أنينه من قريب * فاطلبوا الشخص حيث كان الأنين
لم يعش أنه جليد ولكن * ذاب سقما « 3 » فلم تجده المنون
هامش
( 1 ) ولهذا : ولأمر ما في م . ( 2 ) ذكر ابن سعيد ( المغرب 2 : 97 ) أن ابن هانئ الأندلسي حين قصد جعفر بن علي صاحب الزاب الأوسط وجد بابه معمورا من الشعراء ، فخاف أن يحولوا بينه وبين الوصول إليه فتزيا بزي بربري وكتب على كتف شاة هذين البيتين ، ووقف للوزير وقال له : أنا شاعر مفلق أريد أنشد الملك هذا الشعر فضحك الوزير ، وأراد أن يطرف به الملك ، فأدخل عليه ليضحك منه ، فأنشده قصيدته : « أليلتنا إذ أرسلت واردا وحفا . . . » فقام إليه جعفر وعانقه وعرف أنه ابن هانئ ، وخلع عليه . ( 3 ) م : وجدا .