تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسالة التوحيد — صفحة 35

مساهمون:

ص٣٥
العالم المريد فيما علم وأراد إنما يكون بسلطة له على الفعل ولا معنى للقدرة إلا هذا السلطان .

الاختيار

ثبوت هذه الصفات الثلاث يستلزم بالضرورة ثبوت الاختيار ، إذ لا معنى له إلا إصدار الأثر بالقدرة على مقتضى العلم ، وعلى حكم الإرادة ، فهو الفاعل المختار ، ليس من أفعاله ولا من تصرفه في خلقه ما يصدر عنه بالعلية المحضة ، والاستلزام الوجودي بدون شعور ولا إرادة . وليس من مصالح الكون ما يلزمه مراعاته لزوم تكليف ، بحيث لو لم يراعه لتوجه عليه النقد فيأتيه تنزها عن اللائمة . تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . ولكن نظام الكون ومصالحه العظمى إنما تقررت له بحكم أنه أثر الوجود الواجب الّذي هو أكمل الوجودات وأرفعها . فالكمال في الكون إنما هو تابع لكمال المكون . وإتقان الإبداع إنما هو مظهر لسمو مرتبة المبدع . وبهذا الوجود البالغ أعلى غايات النظام تعلق العلم الشامل والإرادة المطلقة ، فصدر ويصدر على هذا النمط الرفيع ( 23 : 15
أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ )
؟ وهذا هو معنى قولهم : إن أفعاله لا تعلل بالأغراض ، ولكنها تنزه عن العبث ، ويستحيل أن تخلو من الحكم ، وإن خفى شيء من حكمتها عن الأنظار 53 .

الوحدة

ومما يجب له : صفة الوحدة ذاتا ووصفا ووجودا وفعلا . أما الوحدة الذاتية : فقد أثبتناها فيما تقدم بنفي التركيب في ذاته خارجا وعقلا ، وأما الوحدة في الصفة ، أي أنه لا يساويه في صفاته الثابتة له موجود ، فلما بينا من أن الصفة تابعة لمرتبة الوجود وليس في الموجودات ما يساوى واجب الوجود فلا يساويه فيما يتبع الوجود من الصفات . وأما الوحدة في الوجود وفي الفعل : ونعنى بها التفرد بوجوب الوجود وما يتبعه من إيجاد الممكنات فهي ثابتة ؛ لأنه لو تعدد واجب