تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرد على الأخنائي قاضي المالكية — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
فالذي تضافرت به النقول عن السلف قاطبة وأطبقت عليه الأمة قولا وعملا هو السفر إلى مسجده المجاور لقبره والقيام بما أمر اللّه به من حقوقه في مسجده ، كما يقام بذلك في غير مسجده ، لكن مسجده أفضل المساجد بعد المسجد الحرام عند الجمهور ، وقيل : إنه أفضل مطلقا ؛ كما نقل عن مالك وغيره . ولم يتطابق السلف والخلف على إطلاق زيارة قبره ، ولا ورد بذلك حديث صحيح ، ولا نقل معروف عن أحد من الصحابة ، ولا كان الصحابة المقيمون بالمدينة من المهاجرين والأنصار إذا دخلوا المسجد وخرجوا منه يجيئون إلى القبر ويقفون عنده ويزورونه ، فهذا لم يعرف عن أحد من الصحابة . وقد ذكر مالك وغيره أن هذا من البدع التي لم تنقل عن السلف ، وأن هذا منهيّ عنه وهذا الذي قاله مالك مما يعرفه أهل العلم الذين لهم عناية بهذا الشأن ، يعرفون أن أصحابه لم يكونوا يزورون قبره لعلمهم بأنه قد نهى عن ذلك ، ولو كان قبره يزار كما تزار القبور قبور أهل البقيع والشهداء شهداء أحد ؛ لكان الصحابة يفعلون ذلك ، إما بالدخول إلى حجرته ، وإما بالوقوف عند قبره إذا دخلوا المسجد وهم لم يكونوا يفعلون لا هذا ولا هذا ، بل هذا من البدع كما بين ذلك أئمة العلم ، وهذا مما ذكره القاضي عياض وهو الذي قال : « زيارة قبره سنة مجمع عليها وفضيلة مرغب فيها » . وهو في هذا الفصل ذكر عن مالك أنه كره أن يقال : زرنا قبر النبي صلى اللّه عليه وسلّم . وذكر فيه أيضا : « قال مالك في « المبسوط » : وليس يلزم من دخل المسجد وخرج منه من أهل المدينة الوقوف بالقبر وإنما ذلك للغرباء . وقال مالك في المبسوط أيضا : ولا بأس لمن قدم من سفر أن يقف على قبر النبي صلى اللّه عليه وسلّم ويدعو له ولأبي بكر وعمر . قيل له : فإن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر ، وربما وقفوا في الجمعة أو الأيام المرة أو المرتين أو أكثر عند القبر فيسلّمون ويدعون ساعة ؟ فقال : لم يبلغني هذا عن أهل الفقه ببلدنا ، وتركه واسع ، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك ، ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده » . فقد بيّن مالك أنه لم يبلغه عن السلف من الصحابة المقيمين بالمدينة أنهم كانوا يقفون بالقبر عند دخول المسجد إلا لمن قدم من سفر ، مع أن الذي يقصد السفر فيه نزاع مذكور في غير هذا الموضع . وقد ذكر القاضي عياض عن أبي الوليد الباجي أنه احتجّ لما كره مالك فقال : أهل المدينة مقيمون بها لم يقصدوها من أجل القبر والتسليم وقال صلى اللّه عليه وسلّم : « اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد ، اشتدّ غضب اللّه على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » . وقال : « لا تجعلوا قبري عيدا » . قلت : فهذا يبيّن أن وقوف أهل المدينة بالقبر وهو الذي يسمي زيارة لقبره من