تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرد على الأخنائي قاضي المالكية — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
يسمع أصوات الخلائق من بعيد ، فليس هذا إلا للّه رب العالمين الذي يسمع أصوات العباد كلهم . قال تعالى :
أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ
[ الزخرف : 80 ] وقال :
ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ
[ المجادلة : 7 ] الآية . وليس أحد من البشر بل ولا من الخلق يسمع أصوات العباد كلهم ، ومن قال هذا في بشر فقوله من جنس قول النصارى الذين يقولون إن المسيح هو اللّه ، وإنه يعلم ما يفعله العباد ويسمع أصواتهم ويجيب دعاءهم ، قال تعالى :
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ
[ المائدة : 72 ] إلى قوله :
وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
[ المائدة : 76 ] . فلا المسيح ولا غيره من البشر ولا أحد من الخلق يملك لأحد من الخلق لا ضرا ولا نفعا ، بل ولا لنفسه ؛ وإن كان أفضل الخلائق ، قال تعالى :
قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً
[ الجن : 21 ] وقال :
قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ
[ الأنعام : 50 ] الآية . وقال :
قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ
[ الأعراف : 188 ] الآية . وقوله :
إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ
فيه قولان ، قيل : هو استثناء متصل وأنه يملك من ذلك ما ملّكه اللّه ، وقيل هو منقطع ، والمخلوق لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا بحال . فقوله :
إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ
استثناء منقطع ، أي لكن يكون من ذلك ما شاء اللّه ، كقول الخليل عليه السلام :
وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ
[ الأنعام : 80 ] ثم قال :
إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً
[ الأنعام : 80 ] أي : لا أخاف أن تفعلوا شيئا ، لكن إن شاء ربي شيئا كان وإلا لم يكن ، وإلا فهم لا يفعلون شيئا . وكذلك قوله :
وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ
ثم قال :
إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ
[ الزخرف : 86 ] فيه قولان ؛ أصحهما أنه استثناء منقطع ؛ أي : لكن من شهد بالحق تنفعه الشفاعة وتنفع شفاعته ، كقوله :
وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ
[ سبأ : 23 ] وقال :
قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً
[ الزمر : 44 ] . وبسط هذا له موضع آخر .
الرد على الأخنائي قاضي المالكية — صفحة 147 | ابن تيمية