وإذا كان الجواب ممتنعا فيما قرئ منصوبا ومرفوعا ، سقط الاحتجاج بالآية ، وامتنع كون الكلمة سببا ، فأقول واللّه الموفق :
إن هذه المباحثة عربية ، وأهل العربية يجرون / الأجوبة تارة على الألفاظ باعتبار معانيها ، وتارة على صور الألفاظ المجردة عن معانيها ، مثل ذلك قوله تعالى :
أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا
« 1 » . وقع الجواب مرتبا على صورة لفظ الاستفهام مجردا عن معناه .
معنى الكلام : أنهم ساروا فنظروا . وذلك خبر محض ليس من الاستفهام في شيء .
فإن ظن أن الفاء عاطفة ؛ لصلاحيتها ، مع حذف النون للعطف والجواب ، فكيف تجعل للجواب مع هذا الاحتمال ؟
دفع ذلك مما لا لبسة في كونه جوابا / ، وهو قوله جلّ من قائل :
أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ
« 2 » .
وإذا وضح ذلك ؛ ردّت مسألتنا إلى هذه القاعدة ، وكان الجواب جاريا على صيغة الأمر فقط ، من غير تعرض لمعناه .
قال سيبويه « 3 » شبّه « 4 » ترتّب المأمور على صيغة لفظ الأمر في العرف ، بترتّب « 5 » المقدور على تأثير القدرة فيه ، إذ أهل العرف يقضون على أن من أمر شخصا بالقيام ، فأوجده عند أمره ؛ أن قيامه مسبّب عن صيغة الأمر ، وأن لفظ الأمر سبب لقيامه ، وهو في الحقيقة مسبب / عن الإرادة التي دلّت صيغة
هامش
( 1 ) يوسف : 109 ، والحج : 46 ، والروم : 9 ، وفاطر : 44 ، وغافر : 21 ، 82 .
( 2 ) سورة الحج : 46 .
( 3 ) هو : عمرو بن عثمان بن قنبر الفارسي ، أبو بشر ، المعروف : « بسيبويه » . إمام النحو والعربية ، وأول من بسط علم النحو .
ولد في إحدى قرى شيراز سنة 148 ، وقدم البصرة ، فلزم الخليل بن أحمد الفراهيدي ، وصنف كتابه المعروف ( كتاب سيبويه ) . توفي سنة ( 180 ) .
انظر ترجمته في : « البداية والنهاية » ( 10 / 176 ) و « تاريخ بغداد » ( 12 / 195 ) و « سير أعلام النبلاء » ( 8 / 351 ) و « الأعلام » ( 5 / 81 ) .
( 4 ) في المطبوع : [ شبهة ] .
( 5 ) في المطبوع : [ يترتب ] .