فكيف يدفع حسن ما هذه حاله ، ويدعى تحريمه ، وقد أمر اللّه تعالى بطلب الرزق والتوصل إلى المنافع والمتاجر في كثير من آي القرآن « 1 » ، فقال تعالى
وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ
« 2 » ، وقال تعالى
لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ
« 3 » ، وقال تعالى
وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا
« 4 » ، وذلك في الكتاب أكثر من أن يحصى .
وانما حمل محرمي المكاسب على اظهار هذا المذهب الكسل وعادة العجز ، وربما - وهو الأغلب - جعلوا ترك التكسب طريقا إلى التكسب احتذاء « 5 » بالمنافع ، ويجب أن لا يتناولوا ما قدم إليهم من المأكولات وأن لا يمدّوا إليها يدا ، بل يلزم أن لا يمضغوا اللقمة بعد حصولها في الفم ولا يبلعوها ، لأن ذلك مفارقة للتوكل الذي يدّعون التزامه . وإذا جاز أن يفارقوه بشيء واحد جاز في أشياء .
فأما التوكل في الحقيقة فهو طلب الشيء من جهته ، وعلى الوجه الذي أبيح له طلبه منه ، وأن لا يقع جزع وقنوط عند فوته ، ولهذا روي عن النبي صلّى اللّه عليه وآله أنه قال : لو توكلتم على اللّه تعالى حقّ التوكل لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا « 6 » . فسمّاها مع الغدو والرواح في طلب الرزق متوكلة .
على أنه لا فرق بين من حمل التوكل عن الكف عن طلب الحلال من الرزق من جهاته المباحة ، وبين من حمل ذلك على الكف عن طلب الأولاد والعلوم والآداب ، لأن ذلك كله من قبيل المنافع .
وتعلقهم بأن الحلال قد اختلط بالحرام . ليس بشيء ، لأن يد الغير
هامش
( 1 ) في ه « آيتي القرآن » .
( 2 ) سورة الجمعة : 10 .
( 3 ) سورة النساء : 29 .
( 4 ) سورة المائدة : 2 .
( 5 ) كذا .
( 6 ) بحار الأنوار 71 / 151 ، مسند أحمد بن حنبل 1 / 30 ، 52 .