وكل هذا غير حاصل فيما يتفضل به القديم تعالى على عباده ، لزوال كل ما بيّنا أنه يصرف عن التفضل وفقده من تفضله ، لأن نعمه على العبد في نفسه وماله وجميع أحواله منه تعالى ، فلا مزية للاستحقاق على التفضل فيه .
فان قيل : فما قولكم في ألم ساواه ما ليس بألم في كونه لطفا ومصلحة ، أتوجبون أن يفعل تعالى ما ليس بألم في كونه لطفا ومصلحة ، أتوجبون أن يفعل تعالى ما ليس بألم في كونه لطفا ومصلحة أم تقولون انّه مخير بين الألم وما ليس بألم ؟
قلنا : الصحيح أنه مخير فيهما ، لأن كل واحد منهما يقوم مقام الاخر في الغرض المقصود ، والألم وان كانت فيه مضرة فبالأعواض العظيمة التي توصل إلى المؤلم يخرج من أن يكون مضرة إلى أن يكون نفعا واحسانا ، فجريا مجرى فعلين لا ضرر في كل واحد منهما ، لأن الألم قد خرج من كونه ضررا بالنفع العظيم الزائد ، وتثبت بهذه الجملة حصول التخيير بينهما .
وليس لأحد أن يدّعي : أن فعل الألم للمصلحة وهناك ما يقوم مقامه فيها عبث . وذلك أن العبث ما لا غرض فيه ، وليس يدخل الفعل الذي له غرض صحيح في أن يكون عبثا [ لأجل أن في المقدور ما يقوم مقامه ، لأن ذلك يوجب في كل فعل له بدل في غرضه المقصود أن يكون عبثا ] « 1 » ومعلوم خلاف [ ذلك ] « 2 » .
ولا يشبه ما قلناه قبح اختيار أحدنا لأن يؤلم نفسه ليبلغ غرضا يجوز أن يبلغه من غير ألم ، لأن أحدنا ملجأ إلى أن يضرّ بنفسه ضررا يتمكن من الوصول إلى الغرض فيه بغيره ومما ليس بألم ، ولأنه يكون كأنه آلم نفسه ألما ليس في مقابلته نفع وما جرى مجراه .
وقد بينا أن القديم تعالى بما يوصله إلى المؤلم من الاعواض العظيمة يخرج
هامش
( 1 ) الزيادة من م .
( 2 ) الزيادة من م .