دعوة نبيّنا محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم هي مهمّة أخلاقيّة ، وهي تذكية النّفوس وتطهيرها من الشّهوات ، يعني شهوة حبّ الرّئاسة ، وشهوة السّيطرة على الآخرين وشهوة الفرج والبطن . ويؤكّد على ذلك قوله تعالى :
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ
« 1 » ، وقوله تعالى :
خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
« 2 » .
وتبلغ هذه الرّوعة أقصى غاياتها عندما يرجع القرآن الكريم نجاح النّبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في دعوته إلى مسألة أخلاقيّة كقوله تعالى :
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ
« 3 » .
فلو كانت الشّورى هي الطّريقة الوحيدة لتعيين الخليفة ، كما يدّعيها أهل السّنّة ، فلما ذا تركها أبو بكر ، وخالف قوله تعالى :
وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ
؟ والسّبب واضح لأنّ أبا بكر يعلم أنّ نتيجة الشّورى هي عدم نجاح عمر بن الخطّاب فيما يرام ، وقد اشترك معه في مؤامرة السّقيفة ، وأتعب نفسه في توطيد الخلافة ، فعمل أبو بكر بما هو المخطّط له بينهما مسبقا ، فولّى على المسلمين من لا يرحمهم طبقا لذلك المخطّط وقد أظهر المسلمون كراهتهم لعهد الخلافة إلى عمر بن الخطّاب ، كما عرفت ، لأنّ عمر لم يرحم أهل بيت الرّسالة ، فكيف يرحم غيرهم ؟
ولم ينس المسلمون ما ارتكبه عمر بن الخطّاب في حقّ أهل بيت النّبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، حيث أضاف عليهم مصائب فوق مصيبتهم بفقد رسول الله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بدلا عن تسليتهم ، فيكرّر عليهم التّهديد ، تارة بإحراق البيت ، وأخرى بقتل عليّ بن أبي طالب ابن عمّ
هامش
( 1 ) - سورة آل عمران : 164 .
( 2 ) - سورة التّوبة : 103 .
( 3 ) - سورة آل عمران : 159 .